الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
المغرب العربيمسار المهندس

نحو 23% من مهندسي تونس المسجلين بلا عمل: هل المشكلة في عدد الخريجين أم في اقتصاد لا يستوعبهم؟

ما الذي حدث؟

يوم السبت 24 أكتوبر 2026 نظمت هيئة المهندسين التونسيين (Ordre des ingénieurs tunisiens) في دار المهندس بتونس العاصمة تظاهرة بعنوان “مهندسون مبدعون”، تحت شعار “حين يلتقي العلم بالفن”، لعرض مواهب المهندسين في الرسم والأدب والموسيقى والمسرح. وعلى هامش التظاهرة أدلى عميد الهيئة محسن الغرسي بتصريحات نقلها موقع Business News ظهر اليوم نفسه، ثم صحيفة La Presse مساءً.

أهم ما قاله أن نسبة البطالة بين المهندسين المسجلين في الهيئة “تقترب من 23%”. وأوضح، بحسب Business News، أن الرقم تقديري ويحتاج إلى تدقيق وتحديث بالتنسيق مع وزارة التشغيل والتكوين المهني. وحذّر أيضاً، بحسب La Presse، من هجرة الكفاءات الشابة، ودعا المهندسين إلى تطوير مواهبهم واستكشاف مجالات خارج شهادتهم واختصاصهم.

الأرقام

  • أكثر من 100 ألف مهندس مسجل في الهيئة.
  • نحو 43% منهم نساء.
  • نحو 23% نسبة البطالة التقديرية بين المسجلين، وهو رقم الهيئة لا رقم المعهد الوطني للإحصاء.
  • 37.93% حصة خريجي العلوم والهندسة من خريجي التعليم العالي في تونس، وهي الأعلى عالمياً بحسب مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، كما نشرت الهيئة ونقلت L’Economiste Maghrébin في 12 أكتوبر 2026 (خلفية).
  • أكثر من 45% من المسجلين يقيمون في الخارج، بحسب تصريح سابق للغرسي في سبتمبر 2026 (خلفية).

شرح مبسط: كيف تقرأ رقم 23%؟

أي نسبة بطالة هي كسر له بسط ومقام. البسط هو عدد من يبحثون عن عمل ولا يجدونه، والمقام هو من يُفترض أنهم في سوق العمل. وفي حالة تونس يطرح المقام سؤالاً مهماً لم تجب عنه التصريحات المنشورة.

إذا كانت النسبة محسوبة على كل المسجلين، أي على أكثر من 100 ألف، فهذا يعني نحو 23 ألف مهندس بلا عمل. لكن إذا كان نحو 45% من المسجلين يعيشون في الخارج، ومعظمهم يعمل هناك، فإن هؤلاء العاطلين يتركزون بين من بقوا في تونس، وهم نحو 55 ألفاً. وعندها تقترب النسبة الفعلية داخل البلاد من 40%. أما إذا كانت النسبة محسوبة على المقيمين في تونس فقط، فالرقم 23% كما هو.

لا أملك جواباً قاطعاً، والهيئة نفسها قالت إن الرقم يحتاج إلى تدقيق. لكن الفرق بين القراءتين كبير، ويستحق أن يُسأل عنه قبل أن يُبنى عليه قرار. ويشبه هذا ما يحدث في الأردن: فقد قالت نقابة المهندسين الأردنيين في نوفمبر 2025 إن البطالة بين أعضائها نحو 19%، من أكثر من 200 ألف مسجل يعيش نحو 175 ألفاً منهم في الأردن. والنقابة هناك تنشر عدد المقيمين إلى جانب العدد الكلي، وهذا ما يسمح بطرح سؤال المقام نفسه.

من يتحمل المسؤولية: الكلية أم الاقتصاد؟

يطرح موقع Business News في قراءته للتصريحات فكرة واضحة: المشكلة ليست في عدد المهندسين الذين تخرّجهم تونس، بل في قدرة الاقتصاد على استيعابهم. ويضرب مثلاً بالصين التي تخرّج أعداداً ضخمة من المهندسين دون أن يكون ذلك عائقاً، لأن اقتصادها يحرّكهم. ويحذّر من أن تونس، دون استثمار وقطاعات إنتاجية ومشروعات كبرى، تدفع كلفة تكوين مهندسين تستفيد منهم اقتصادات أخرى. ويرى أن الرد يجب أن يكون سياسة تنمية تخلق وظائف، لا تنظيماً لتدفق الخريجين.

رأي: لا تغلقوا الكليات، افتحوا المشروعات

أتفق مع هذه القراءة في جوهرها، وأختلف معها في نقطة واحدة.

أتفق لأن الدعوة إلى تقليص المقبولين في الهندسة حل سهل ومضلل. فالبلد الذي يتصدر العالم في حصة خريجي العلوم والهندسة يملك رصيداً نادراً، والتفريط فيه لأن السوق المحلية ضعيفة اليوم يشبه إغلاق مصنع لأن الطلب انخفض موسماً واحداً. والدليل أن المهندس التونسي مطلوب: نحو نصف المسجلين يعملون في الخارج، أي أن الشهادة نفسها مقبولة في أسواق صعبة.

وأختلف في أن “سياسة التنمية” وحدها تكفي. فبين الكلية والوظيفة حلقة ضعيفة في معظم الدول العربية، لا في تونس وحدها: التدريب العملي الإلزامي، والترخيص المهني المتدرج، ومكاتب الدراسات الصغيرة التي يفتحها المهندسون أنفسهم. والمهندس العاطل ليس بالضرورة مهندساً بلا مهارة، لكنه غالباً مهندس بلا أول خبرة يطلبها صاحب العمل. وهذه الحلقة يمكن إصلاحها بقرارات أصغر وأسرع من خطة تنمية وطنية: أن تشترط الصفقات العمومية نسبة من المهندسين المبتدئين في فرق المقاولين والاستشاريين، وأن تُعطى المكاتب الناشئة حصة من الدراسات الصغيرة.

وأخيراً، دعوة العميد المهندسين إلى الخروج من حدود اختصاصهم ليست كلاماً عاماً. فالمهندس المدني الذي يتعلم نمذجة معلومات البناء (BIM)، أو المهندس الكهربائي الذي يتعلم برمجة أنظمة التحكم، يدخل سوقاً مختلفة تماماً عن سوق زميله الذي بقي داخل المقرر.

دروس عملية للمهندس

  1. اسأل عن المقام قبل أن تصدّق النسبة. حين تقرأ “بطالة 23%” أو “19%”، اسأل: من كل المسجلين أم من المقيمين؟ ومن الباحثين عن عمل أم من كل الخريجين؟ هذا السؤال يغير قرارك في التخصص والهجرة.
  2. ابحث عن الطلب لا عن اللقب. التخصصات التقليدية المشبعة تختلف عن المهارات المطلوبة داخلها. اختر مهارة أداة أو برنامج أو معيار يطلبه السوق، ثم ضعها فوق شهادتك.
  3. الخبرة الأولى أهم من الوظيفة المثالية. سنة في مكتب دراسات صغير أو موقع مقاول تفتح أبواباً لا يفتحها انتظار وظيفة كبرى.
  4. سجّل نفسك في هيئتك المهنية وحدّث بياناتك. الأرقام التي تُبنى عليها السياسات تأتي من سجلات الهيئات، والمهندس الذي لا يحدّث وضعه المهني يجعل الصورة أقل دقة.
  5. فكّر في العمل عن بعد قبل الهجرة الكاملة. أسواق الخليج وأوروبا تشتري الدراسات والتصاميم والمراجعات عن بعد، وهذا طريق وسط بين البطالة والرحيل.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕