19 صدعاً و1210 أمتار من الصخر فوق الرأس: نفق “داليانغشان” في يونان يخترق الجبل بعد تسع سنوات، فماذا يعلّمنا تأخره؟
ما الذي حدث؟
في الساعة 10:18 صباح الأحد 25 أكتوبر 2026 بتوقيت بكين، اكتمل اختراق الأنبوب الأيسر لنفق داليانغشان (大亮山隧道)، أطول أنفاق الطريق السريع بين مقاطعة يون ومنطقة لينشيانغ في مدينة لينسانغ جنوب غربي الصين، بحسب إذاعة الصين الوطنية (CNR) ووكالة أنباء الصين الجديدة (تشاينا نيوز) وموقع تشاينا ديلي في يونان، وجميعها نشرت الخبر في اليوم نفسه.
النفق من نوع الأنبوبين المنفصلين، أي نفقان متوازيان لكل اتجاه نفق. وبحسب إذاعة الصين الوطنية، لم يبق في الأنبوب الأيمن سوى 56 متراً حتى الاختراق. المستثمر والمالك هو مجموعة يونان للاستثمار والبناء في النقل، والمقاول بحسب تشاينا نيوز هو المجموعة الخامسة عشرة للسكك الحديدية الصينية (CR15G).
حجم الرقم
- الطول: 20,430 متراً للأنبوبين معاً، منها نحو 10.2 كيلومتر للأنبوب الأيسر.
- أقصى غطاء صخري: نحو 1210 أمتار من الصخر فوق سقف النفق.
- الجيولوجيا: يقع النفق بين منطقتي صدع كبيرتين، صدع نهر نانتينغ وصدع مينغسا ومانغانغشان، ويعبر 19 منطقة صدع وتكسر.
- سجل المخاطر خلال تسع سنوات (بحسب تشاينا ديلي): 32 حادثة اندفاع مفاجئ للطين والماء، و17 تدفقاً مركزاً للمياه، وأكثر من 30 انهياراً للصخر المحيط، و1375 متراً من التشوه الكبير في الصخر اللين، و406 أمتار من تهشم البطانة الثانوية، و620 متراً من انتفاخ أرضية النفق.
- التهوية: بئر رأسية بقطر داخلي 8 أمتار وعمق 472 متراً، وصفتها المصادر بأنها الثالثة عمقاً بين الطرق السريعة قيد الإنشاء في الصين والأولى في يونان، ومسافة الحفر بعيداً عن المداخل تجاوزت 7 كيلومترات.
- الطريق كله: 60.82 كيلومتراً، ونسبة الجسور والأنفاق فيه 83.41%. وبعد افتتاحه ينخفض زمن الرحلة بين مقاطعة يون ومدينة لينسانغ من نحو ساعتين إلى أقل من 40 دقيقة.
كيف يُحفر نفق في أرض كهذه؟
المشكلة في داليانغشان ليست الطول وحده، بل اجتماع ثلاثة أعداء في مكان واحد: إجهاد أرضي مرتفع، وضغط مياه مرتفع، وصخر ضعيف.
الإجهاد الأرضي. تحت 1200 متر من الصخر، يحمل الصخر حول النفق وزناً هائلاً. فإذا كان الصخر ليناً أو مكسراً بالصدوع، لا ينهار فوراً، بل “يزحف” ببطء نحو الفراغ ويضغط على الدعامات. هذا هو “التشوه الكبير” الذي سجله المشروع على أكثر من 1.3 كيلومتر، وهو ما يفسر تهشم أجزاء من البطانة الثانوية وانتفاخ الأرضية.
المياه. مناطق الصدوع قنوات طبيعية للمياه الجوفية المضغوطة. وحين يقترب وجه الحفر من صدع مشبع، قد ينفجر الطين والماء دفعة واحدة. وتكرر ذلك 32 مرة في هذا النفق.
الحرارة. تذكر تقارير 2025 الحرارة الجوفية المرتفعة بين صعوبات الموقع، ولذلك احتاج المشروع إلى بئر التهوية العميقة وضاغطات هواء تحت الأرض ومعدات تبريد بالثلج.
وتلخص المصادر أسلوب العمل في أربع قواعد: التحشية المسبقة للتقوية، والحفر المسبق لتصريف الضغط، وتنظيف الوجه، وتعديل الدعامات حسب القياس. والمعنى العملي أن الفريق يستطلع ما أمامه بالتنبؤ الجيولوجي المسبق، ثم يحفر ثقوباً أمام الوجه لتفريغ الماء المضغوط قبل الوصول إليه، ويحقن الصخر المكسر بالمونة ليتماسك، ثم يحفر. وتُضبط الدعامات حسب منحنيات الضغط والزمن التي تسجلها أجهزة القياس، ويُحدد منها أيضاً موعد صب البطانة الثانوية. وتقول التقارير إن العمل كان يتوقف عند ظهور أي خطر، فلا يُستأنف الحفر قبل التقوية.
رأي: الجبل لم يتأخر، الجدول هو الذي تأخر
في أبريل 2025 نشرت تقارير صينية أن الأنبوب الأيسر سيُخترق في ديسمبر 2025، والأيمن في مارس 2026، وأن الطريق كله سيُفتح في نهاية يونيو 2026. واليوم، في أكتوبر 2026، اخترق الأنبوب الأيسر فقط، وما زالت أمام المشروع أعمال البطانة الثانوية والتجهيزات. أي أن الاختراق وحده تأخر نحو عشرة أشهر عن خطة وُضعت قبل 18 شهراً فقط، والنفق في مراحله الأخيرة.
نرى أن هذا ليس فشلاً في التنفيذ، بل دليل على أن الجدول الزمني لنفق عميق في أرض متصدعة لا يمكن أن يُكتب بمعدل تقدم ثابت. فالكيلومتر الأخير قد يحمل صدعاً واحداً مشبعاً بالماء يأكل شهوراً. والمشروع الذي يحسب مدته بقسمة الطول على متوسط التقدم اليومي يكتب رقماً سيكذبه الجبل.
والدرس الأهم في رأينا أن داليانغشان اختار الطريق البطيء: توقف عند الخطر، وتقوية قبل الحفر، وقياس مستمر. كان يمكن الضغط على الجدول، لكن 32 اندفاعاً للطين والماء تحت 1200 متر من الصخر تعني أن ثمن العجلة قد يكون أرواحاً ونفقاً منهاراً، لا أياماً.
ولهذا يهمنا الموضوع عربياً. فمشروعات الأنفاق الجبلية في المنطقة، في الطرق والسكك والمياه، تُطرح غالباً بجداول تُعلن قبل اكتمال الاستكشاف الجيولوجي. ونرى أن العقد الجيد يضع في جدوله “احتياطياً جيولوجياً” صريحاً، ويربط المدة بفئات الصخر التي تُكتشف فعلاً، لا بأرقام متوسطة.
دروس عملية للمهندس
- الطول ليس المؤشر الوحيد للصعوبة. عدد مناطق الصدوع وعمق الغطاء الصخري وضغط المياه تحدد المدة والتكلفة أكثر من عدد الكيلومترات.
- استطلع قبل أن تحفر. التنبؤ الجيولوجي المسبق والحفر الاستكشافي أمام الوجه أرخص بكثير من التعامل مع اندفاع طين مفاجئ.
- صمم الدعامات بالقياس. في الصخر الذي يزحف، تأتي معاملات الدعم من منحنيات الضغط والزمن في الموقع، لا من جدول ثابت في المكتب.
- التهوية والتبريد جزء من المسار الحرج. في الأنفاق الطويلة العميقة، قد تتحكم بئر التهوية في سرعة التقدم كما يتحكم الصخر.
- اكتب الجدول بنطاقات لا بتاريخ واحد. جدول نفق في أرض متصدعة يجب أن يُعرض بسيناريوهات مرتبطة بالجيولوجيا، وأن يُحدَّث كلما تقدم الحفر.

