الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
تقنيات هندسيةمصر

باقة الإنترنت المنزلي الأساسية في مصر تتضاعف إلى 100 جيجابايت بالسعر نفسه: لماذا لا تقاس كلفة الشبكة بالجيجابايت، وأين يقع الاختبار الهندسي الحقيقي؟

ما الذي حدث؟

في الجلسة الختامية لمنتدى مصر 2026 يوم السبت 24 أكتوبر 2026، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي زيادة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية من 50 جيجابايت إلى 100 جيجابايت شهرياً، مع بقاء سعر الاشتراك كما هو. وفي مساء اليوم نفسه نشر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بياناً يوجّه فيه شركات الإنترنت الأرضي بتطبيق القرار “مع الإبقاء على سعر الاشتراك البالغ 150 جنيهاً دون أي زيادة”، ويصفه بأنه تنفيذ لتوصيات المنتدى.

وقال المتحدث باسم الجهاز، المهندس محمد إبراهيم، في مداخلة هاتفية نقلتها جريدة الشروق مساء السبت، إن التنفيذ يحتاج إلى تعديلات في الأنظمة المحاسبية للشركات، وإن العمل عليها يبدأ يوم الأحد 25 أكتوبر. ولم يُعلن حتى الآن موعد نهائي لوصول الباقة الجديدة إلى كل المشتركين.

الأرقام

  • السعة: من 50 إلى 100 جيجابايت شهرياً للباقة الأساسية.
  • السعر: 150 جنيهاً قبل ضريبة القيمة المضافة (نحو 171 جنيهاً بعدها)، دون تغيير.
  • كلفة الجيجابايت: تنخفض من نحو 3 جنيهات إلى نحو 1.5 جنيه قبل الضريبة، بحسب حساب موقع العين الإخبارية.
  • عمر الباقة: أطلقها جهاز التنظيم في 6 مايو 2026 بديلاً أرخص عن أدنى باقة سابقة سعرها 210 جنيهات، أي إنها تُضاعَف بعد نحو خمسة أشهر فقط.
  • السرعات والأبراج: قال مدبولي، بحسب صدى البلد، إن سرعة الإنترنت الأرضي ارتفعت من 3 إلى 98 ميجابت في الثانية، وإن عدد أبراج المحمول زاد من نحو 7 آلاف إلى 41 ألف برج.
  • الألياف: قال متحدث الجهاز إن أكثر من 6 ملايين خط نحاسي استُبدلت أو يجري استبدالها بكابلات ألياف ضوئية، وإن الهدف هو الوصول إلى 90% من الخطوط خلال ثلاث سنوات، بمعدل نحو مليوني خط سنوياً.

الجيجابايت ليس وحدة كلفة الشبكة

يبدو القرار للمستخدم مسألة سعر. لكنه للمهندس سؤال عن سعة. والنقطة الأولى التي يجب فهمها أن كلفة شبكة النفاذ والربط لا تتحدد بعدد الجيجابايتات التي يستهلكها المشترك في الشهر، بل بأقصى حمل متزامن تتحمله الشبكة في “ساعة الذروة”، وهي عادة ساعات المساء حين يشاهد الجميع الفيديو في الوقت نفسه.

حساب بسيط يوضح الفكرة. 100 جيجابايت موزعة على شهر من 30 يوماً تعادل متوسطاً مستمراً قدره نحو 0.31 ميجابت في الثانية فقط. أي إن المشترك المتوسط لا يستهلك إلا جزءاً صغيراً من سرعة خطه. وفي المقابل، إذا كان الخط بسرعة 30 ميجابت في الثانية، وهي السرعة التي تذكرها قوائم أسعار الشركة المصرية للاتصالات المنشورة، فإن تشغيله بكامل سرعته يستنفد 100 جيجابايت في نحو 7.4 ساعات، و50 جيجابايت في نحو 3.7 ساعات.

لهذا تعتمد الشبكات كلها على مبدأ “المشاركة الإحصائية”: لا يستخدم كل المشتركين سرعتهم القصوى في اللحظة نفسها، فتُصمَّم الوصلات الأعلى بسعة أقل من مجموع سرعات الخطوط. ويقيس المهندس صحة هذا التصميم بنسبة إشغال الوصلات في ساعة الذروة. فإذا اقتربت من حدها، ظهر البطء والتقطع مهما كان حجم الباقة.

ماذا يتغير فعلاً بمضاعفة السقف؟

المشترك الذي كان يستهلك 30 جيجابايت شهرياً لن يتغير سلوكه. الأثر يقع على من كانوا يصلون إلى السقف قبل نهاية الشهر، فتنخفض سرعتهم أو يشترون إضافات. هؤلاء سيستهلكون الآن أكثر، وجزء كبير من استهلاكهم الإضافي سيكون فيديو، أي في ساعات المساء تحديداً. ولذلك فالسؤال الهندسي ليس “هل تتحمل الشبكة 100 جيجابايت للمشترك؟”، بل “كم ترتفع حركة ساعة الذروة في كل منطقة؟”.

والتعديل الذي ذكره متحدث الجهاز في الأنظمة المحاسبية ليس تفصيلاً إدارياً. فأنظمة قياس الاستهلاك والفوترة وإدارة السياسات هي التي تعدّ البايتات وتطبق خفض السرعة عند السقف، وأي تغيير فيها يحتاج اختباراً على ملايين الحسابات قبل التطبيق.

لماذا الألياف هي القرار الأهم؟

الخط النحاسي التقليدي ينقل البيانات بتقنيات DSL، وسرعته تهبط كلما طالت المسافة بين المنزل والكابينة أو السنترال، وتتأثر بحالة الكابل والتداخل بين الأزواج المتجاورة. أما الألياف الضوئية فلا تعاني هذا القيد عملياً في مسافات شبكات المدن، وسعتها تحددها الأجهزة في الطرفين لا الكابل نفسه. وفي معيار GPON الشائع لشبكات الألياف المنزلية، تبلغ السعة الهابطة نحو 2.5 جيجابت في الثانية يتقاسمها عدد من المشتركين عبر مقسِّم ضوئي، ويمكن رفعها لاحقاً بتغيير الأجهزة الطرفية دون حفر جديد.

بعبارة أخرى، استبدال 6 ملايين خط نحاسي يغير بنية الكلفة كلها. الشبكة التي تُبنى بالألياف اليوم تصبح فيها مضاعفة السعة لاحقاً قرار أجهزة وبرمجيات، لا قرار حفر وكابلات.

رأي: القرار صحيح، لكن المقياس الصحيح هو ساعة الذروة لا السقف

أرى أن مضاعفة الباقة الأساسية خطوة منطقية، لأن 50 جيجابايت لم تعد تكفي أسرة تعتمد على التعليم عن بعد والخدمات الحكومية الرقمية، ولأن رفع السقف للفئة الأقل استهلاكاً كلفته على الشبكة محدودة. لكن نجاح القرار لا يقاس بعدد الجيجابايتات المكتوبة على الفاتورة، بل بما يحدث في الساعة التاسعة مساءً في حي مزدحم.

ولذلك أقترح أن يرافق القرار نشر دوري لمؤشرات جودة الخدمة: متوسط السرعة الفعلية في ساعة الذروة لكل محافظة، ونسبة الخطوط المحوّلة إلى الألياف فعلياً، وزمن الاستجابة. فالرقم الذي ذكره رئيس الوزراء عن ارتفاع السرعة من 3 إلى 98 ميجابت في الثانية يحتاج إلى تعريف منهجية قياسه حتى يصبح أداة متابعة لا شعاراً.

والأهم أن هدف 90% من الخطوط بالألياف خلال ثلاث سنوات هو الوعد الذي يستحق المتابعة. فإذا تحقق، ستصبح أسقف الباقات نفسها مسألة تسعير لا قيداً فنياً.

دروس عملية للمهندس

  1. صمّم لساعة الذروة. متوسط الاستهلاك الشهري مضلل؛ الحمل المتزامن هو ما يحدد سعة الوصلات وكلفتها.
  2. احسب التحويل بين الحجم والسرعة. 100 جيجابايت تعني نحو 0.31 ميجابت في الثانية متوسطاً، ونحو 7.4 ساعات على خط 30 ميجابت بكامل سرعته.
  3. لا تهمل أنظمة الفوترة. أي تغيير تجاري في الاتصالات هو أيضاً مشروع برمجي على أنظمة القياس والسياسات.
  4. ابنِ بالألياف مرة واحدة. الاستثمار في الكابل الضوئي يجعل رفع السعة لاحقاً تحديثاً للأجهزة الطرفية.
  5. اطلب بيانات الجودة. السرعة المعلنة بلا منهجية قياس منشورة لا تكفي للحكم على الشبكة.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕