الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
أفريقياالطاقة

خمس محطات تحويل في ليلة واحدة تُطفئ جنوب شرق السودان: حين تصبح المحولات أضعف نقطة في الشبكة

ما الذي حدث؟

بحسب “سودان تريبيون”، ضربت مسيّرة محطة تحويل الجنيد في شرق الجزيرة نحو الساعة 2:30 فجر الاثنين 26 أكتوبر 2026، فخرجت من الخدمة، وفق مصادر في مصنع سكر الجنيد. وفي الصباح نفسه أصيبت محطة تحويل سنجة في ولاية سنار، مع أضرار مادية وإصابة عدد من الحراس، بحسب حكومة الولاية. واستُهدفت محطتا الفاو والحواتة في القضارف بمسيّرات انتحارية، ومحطة مشكور في النيل الأبيض.

ونقلت منصة الطاقة عن الشركة السودانية القابضة للكهرباء أن الهجمات تسببت في إظلام تام لشبكة جنوب شرق البلاد وانقطاع الخدمة في الولايات الأربع، وأن الفرق الهندسية تحركت لتقييم الأضرار وإعادة التيار، دون تحديد موعد للعودة. ونقلت “يورونيوز” عن مسؤول حكومي تحدث لوكالة فرانس برس أن خمس محطات استُهدفت، وأن مناطق واسعة في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش غرقت في الظلام.

وتقول “سودان تريبيون” إن هذه الهجمات جاءت بعد أيام من ضرب محطة تندلتي في غرب النيل الأبيض الأسبوع الماضي، ما قطع الكهرباء عن تندلتي ومدن في شمال كردفان.

الأرقام

  • المحطات المستهدفة: خمس، هي الجنيد وسنجة والفاو والحواتة ومشكور.
  • الولايات المتأثرة: الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض.
  • التوقيت: أول ضربة نحو 2:30 فجراً، والبقية في الصباح نفسه.
  • الربط مع إثيوبيا: خط جهد 220 كيلوفولت صُمم لنحو 250 إلى 300 ميجاوات بعد مرحلته الثانية، وتراوحت تدفقاته الفعلية بين 90 و150 ميجاوات، وهو متوقف منذ الثلث الأخير من يوليو 2026، بحسب منصة الطاقة.
  • التوليد المتاح: تراجع من نحو 2500 ميجاوات قبل الحرب إلى نحو 1900 ميجاوات، وفق تصريح سابق لوزير الطاقة نقلته المنصة.
  • المحولات: أفاد مصدر رسمي سابقاً بتضرر نحو 15 ألف محول منذ بدء الحرب في أبريل 2023.
  • السياق الإنساني: قتلت هجمات المسيّرات أكثر من 300 شخص في الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر، بحسب أرقام الأمم المتحدة التي نقلتها “يورونيوز”.

شرح مبسط: لماذا يُطفئ محول واحد ولاية كاملة؟

الشبكة الكهربائية تشبه شجرة. محطات التوليد في الجذور، وخطوط الجهد العالي هي الجذع، ومحطات التحويل هي العقد التي يتفرع عندها الجذع إلى أغصان. في محطة التحويل يخفض المحول الكبير الجهد من مستوى النقل (مثل 220 أو 110 كيلوفولت) إلى مستوى التوزيع (مثل 33 أو 11 كيلوفولت) الذي يصل إلى المدن والمزارع والمصانع.

في شبكة متشابكة، إذا سقطت عقدة واحدة تجد الكهرباء طريقاً آخر. أما في شبكة شعاعية، وهي الشائعة في المناطق الريفية الواسعة، فكل مدينة تتغذى من طريق واحد. وإذا سقط المحول على هذا الطريق، فلا بديل.

وهناك مشكلة ثانية أخطر: محول القدرة الكبير ليس قطعة غيار عادية. فهو يُصنع حسب الطلب، ويزن عشرات الأطنان، ويحتاج نقله إلى شاحنات وطرق خاصة، وقد يستغرق تصنيعه وتوريده أكثر من سنة في الظروف الطبيعية. ولذلك يكون إصلاح خط هوائي مقطوع مسألة أيام، بينما قد يكون استبدال محول محترق مسألة شهور.

وحين تخرج عدة محطات تحويل في وقت واحد، تختل أيضاً موازنة الأحمال على ما تبقى من الشبكة. فالمولدات التي تفقد حملها فجأة تتعرض لارتفاع في التردد، وقد تفصلها أنظمة الحماية آلياً، فيتوسع الانقطاع إلى ما هو أبعد من المحطات المصابة. وهذا يفسر وصف الشركة لما حدث بأنه “إظلام تام” للشبكة الإقليمية كلها.

رأي: لا تُعيدوا بناء الشبكة نفسها

في رأيي، الدرس الأهم من ليلة 26 أكتوبر هو أن نموذج الشبكة المركزية الشعاعية، الذي بُني لزمن السلم، صار عبئاً في زمن الحرب. حين تستطيع خمس ضربات على خمس محطات تحويل أن تطفئ أربع ولايات، فالمشكلة ليست في المسيّرات وحدها، بل في أن الشبكة مصممة بحيث تكفي خمس ضربات.

ولا أقصد بهذا أن الحل هو التخلي عن الشبكة الوطنية. الشبكة ضرورية للمدن والمصانع الكبرى. لكنني أرى أن أولويات إعادة الإعمار يجب أن تتغير في ثلاثة اتجاهات:

أولاً، مخزون استراتيجي من المحولات ومحطات التحويل المتنقلة. محطة تحويل محمولة على مقطورة يمكن أن تُعيد التغذية لمدينة في أيام بدل شهور. وتوحيد مواصفات المحولات بين الولايات يسمح باستخدام قطعة احتياطية واحدة في أكثر من موقع.

ثانياً، جزر كهربائية للأحمال الحرجة. المستشفيات ومحطات ضخ المياه ومخازن الأدوية ومضخات الري يمكن أن تملك مصدراً محلياً، مثل ألواح شمسية مع بطاريات، يعمل حين تنفصل الشبكة. ويورونيوز نقلت عن مزارعين في الجزيرة أن محطة أُصلحت قبل ثلاثة أشهر أعادت لهم الأمل في تشغيل المضخات، ثم ضُربت من جديد. تكرار هذا المشهد يجعل الطاقة الموزعة استثماراً في الصمود، لا رفاهية خضراء.

ثالثاً، تقسيم الشبكة إلى مناطق قابلة للفصل. أنظمة حماية تفصل المنطقة المصابة بسرعة، وتترك ما حولها يعمل، أفضل من شبكة تسقط كلها حين تسقط عقدة. وهذا يحتاج إلى استثمار في أنظمة التحكم والاتصالات والحماية قبل أي توسعة جديدة.

ويبقى أن حماية المنشآت المدنية من الهجمات مسؤولية قانونية وإنسانية قبل أن تكون هندسية. لكن المهندس لا يملك قرار الحرب، ويملك قرار التصميم.

دروس عملية للمهندس

  1. اعرف العقدة الحرجة في شبكتك. أي محطة تحويل، إذا خرجت، تُطفئ أكبر عدد من المشتركين بلا بديل؟ هذا السؤال أساس أي خطة صمود، في الحرب أو في الكوارث الطبيعية.
  2. المحول الكبير بند زمني لا مالي فقط. في التخطيط للطوارئ احسب زمن توريد المحول، لا ثمنه وحده، واحتفظ بقائمة موردين ومواصفات موحدة جاهزة.
  3. المحطة المتنقلة أداة استعادة سريعة. وجود محطة تحويل محمولة واحدة لكل إقليم قد يختصر أسابيع من الانقطاع.
  4. صمم الأحمال الحرجة لتعمل منفصلة. مستشفى أو محطة مياه بمنظومة شمسية وبطاريات وعاكس قادر على العمل المعزول يبقى مضاءً حين تنطفئ الشبكة.
  5. وثّق الأضرار بدقة. غياب حصر فني منشور لعدد المحولات الخارجة والحمل المفقود يصعّب التمويل والتخطيط. التوثيق المنهجي جزء من الإصلاح.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕