إنفيديا تموّل خطوط إنتاج “الركيزة” عند سامسونج للإلكترو ميكانيكا في سيجونغ وبوسان: لماذا صارت الطبقة التي لا يراها أحد تحت الشريحة عنق زجاجة الذكاء الاصطناعي؟
ما الذي حدث؟
في 21 أكتوبر 2026 أعلنت شركة سامسونج للإلكترو ميكانيكا (Samsung Electro-Mechanics) الكورية الجنوبية وإنفيديا الأمريكية “شراكة أعمال استراتيجية” لتقوية سلسلة إمداد أشباه موصلات الذكاء الاصطناعي. وبموجب الاتفاق، تستثمر الشركتان معاً في توسيع منشآت مخصصة لإنتاج ركائز التغليف من نوع ABF، وتقيم سامسونج خطوط إنتاج مخصصة لإنفيديا داخل موقعيها القائمين في سيجونغ وبوسان.
وتشمل المنتجات ركائز لشرائح الحوسبة لدى إنفيديا، وركائز لشرائح مبدّلات الشبكات عالية السرعة التي تربط الشرائح ببعضها داخل مراكز البيانات. وجاء الإعلان في اليوم نفسه الذي ألقى فيه جنسن هوانغ كلمته الرئيسية في مؤتمر GTC في برلين.
وقال تشانغ دوك هيون، رئيس سامسونج للإلكترو ميكانيكا ورئيسها التنفيذي، إنه “لشرف كبير” أن تنضم الشركة إلى إنفيديا “شريكاً رئيسياً في البنية التحتية”. وقالت ديبورا شوكويست، نائبة الرئيس التنفيذية للعمليات في إنفيديا، إن “وتيرة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتطلب توسيع الطاقة الإنتاجية على نطاق عالمي”. ونقل موقع Digital Today عنها أن الشراكة توسّع شبكة موردي الركائز لدى إنفيديا.
الأرقام والمعطيات
- المدة: اتفاق توريد طويل الأجل لعدة سنوات يبدأ في 2026.
- النمو: تتوقع الشركة أن تنمو الكميات الموردة لإنفيديا بمعدل سنوي من خانتين، أي أكثر من 10% في المتوسط.
- الحصة: بحلول 2028 يُتوقع أن تشكل إنفيديا “حصة كبيرة” من الطاقة السنوية الكلية لسامسونج في ركائز التغليف.
- قيمة الاستثمار: لم تُعلن، لا في البيان ولا في تغطيات The Elec وEdaily وDigital Today.
ولفهم حجم الضغط، يكفي الرجوع إلى أرقام النصف الأول من 2026 كما نشرتها TrendForce في 27 أغسطس 2026: بلغ معدل تشغيل خطوط الركائز في سامسونج للإلكترو ميكانيكا 89%، وفي LG Innotek 94%. وارتفعت مبيعات قسم حلول التغليف في سامسونج 41% إلى 1.497 تريليون وون، وقفز ربحه التشغيلي 237%. وفي الفترة نفسها أعلنت إيبيدن اليابانية خطة لاستثمار 500 مليار ين على ثلاث سنوات لتصل طاقتها في ركائز خوادم الذكاء الاصطناعي إلى نحو 2.5 ضعف بحلول السنة المالية 2028، ورفعت يونيمايكرون التايوانية إنفاقها الرأسمالي لعام 2026 من 34 مليار دولار تايواني إلى أكثر من 53.7 ملياراً، يذهب معظم الزيادة إلى ركائز ABF.
شرح مبسط: ما هي الركيزة، ولماذا تصعب؟
الشريحة السيليكونية لا تُلحم مباشرة على اللوحة الإلكترونية. فنقاط التوصيل على السيليكون صغيرة ومتقاربة جداً، بينما نقاط اللوحة أكبر وأبعد. وبينهما توضع “ركيزة التغليف”: لوح متعدد الطبقات تتناوب فيه طبقات عازلة من فيلم ABF مع طبقات من مسارات النحاس، فيوزّع آلاف الوصلات الدقيقة من الشريحة على كرات لحام أكبر تحتها. ولهذا تُسمى هذه التقنية FC-BGA، أي شريحة مقلوبة فوق مصفوفة كرات.
ومع شرائح الذكاء الاصطناعي تزداد المهمة صعوبة لثلاثة أسباب ذكرها البيان نفسه:
أولاً: الحجم. الركائز أكبر، وتحمل عناصر مدمجة أكثر، فتحتاج إلى مسارات فائقة الدقة لتقليل فقد الإشارة على السرعات العالية.
ثانياً: الانحناء. كلما كبرت مساحة اللوح، صار أكثر عرضة للالتواء أثناء التسخين والتبريد في عمليات اللحام، لأن المواد المختلفة فيه وفي الشريحة لا تتمدد بالقدر نفسه. والانحناء البسيط يعني وصلات لا تلامس، أي خسارة في المردود أو عطلاً بعد سنوات. ولهذا يتحدث البيان عن “التحكم المتقدم في الانحناء والاستواء”.
ثالثاً: الكهرباء. شريحة الذكاء الاصطناعي تسحب تياراً هائلاً يتغير في أجزاء من النانوثانية. وكل مليمتر بين المكثف والشريحة يضيف محاثة تسبب هبوطاً في الجهد وضجيجاً. والحل الذي تراهن عليه سامسونج هو دمج مكثفات MLCC ومكثفات سيليكونية داخل الركيزة نفسها، تحت الشريحة مباشرة. وهنا ميزتها: فهي تصنع مكثفات MLCC أصلاً، وتقول إنها تملك تقنيات دمجها في الركيزة.
رأي: حين يدفع المشتري ثمن مصنع المورد
أرى أن الخبر الحقيقي ليس اسم المورد، بل شكل الصفقة. فإنفيديا لا تشتري ركائز فقط، بل تستثمر في خطوط إنتاجها. وهذا ما تفعله الشركات حين تدرك أن المال وحده لا يشتري الطاقة الإنتاجية في السوق المفتوحة، وأن الحلقة الضيقة لم تعد في السيليكون المتقدم وحده.
فقد انتقل عنق الزجاجة خلال عامين من الرقاقة نفسها إلى الذاكرة، ثم إلى التغليف المتقدم، والآن إلى طبقة يكاد لا يعرفها إلا المتخصصون. وهذا نمط مألوف في كل منظومة هندسية تنمو بسرعة: حين تتوسع الحلقة الأشهر، يظهر القيد في الحلقة التي لم يستثمر فيها أحد بالقدر الكافي.
لكن للصفقة وجهاً آخر. فخطوط “مخصصة” لعميل واحد تعني أن المورد يربط جزءاً كبيراً من طاقته بمصير منتج واحد، وأن العميل يربط جزءاً من إمداده بموقعين في بلد واحد. وتنويع الموردين الذي تتحدث عنه إنفيديا هو اعتراف بهذا الخطر أكثر منه حلاً له.
وللمهندس العربي في هذا درس عملي. فدول المنطقة التي تتحدث عن دخول صناعة أشباه الموصلات تبدأ عادة من التصميم أو من مصانع الرقاقات. أما الركائز والتغليف فصناعة مواد وكيمياء ودقة تصنيع وموثوقية حرارية، وهي أقرب إلى خبرات موجودة في مصانع الإلكترونيات والكابلات والبتروكيماويات عندنا مما نتصور.
دروس عملية للمهندس
- اقرأ سلسلة الإمداد طبقة طبقة. القيد التالي غالباً في الحلقة الأقل شهرة، لا في الأشهر.
- الانحناء مشكلة ميكانيكية قبل أن تكون كهربائية. فهم التمدد الحراري للمواد المركبة مهارة مطلوبة في الإلكترونيات المتقدمة.
- سلامة القدرة تُصمم من قرب. موقع المكثف بالمليمتر قد يحدد استقرار شريحة كاملة.
- التمويل المشترك علامة ندرة. حين يستثمر المشتري في مصنع المورد، فالسوق يقول إن الطاقة الإنتاجية أثمن من السعر.
- التخصص الضيق قد يكون مدخلاً. المواد والتغليف أبواب لصناعة الرقائق لا تحتاج إلى مصنع بعشرين مليار دولار.
المصادر
- Samsung Electro-Mechanics عبر PR Newswire، “Samsung Electro-Mechanics and NVIDIA Announce Strategic Partnership to Supply ABF Substrates” (21 أكتوبر 2026)
- The Elec، “Samsung Electro-Mechanics, Nvidia to Expand FC-BGA Production” (22 أكتوبر 2026)
- Edaily، “SamsungElectroMechanics Strengthens Alliance with NVIDIA on AI Semiconductor Substrates… Dedicated Factories to Be Built in Sejong and Busan” (21 أكتوبر 2026)
- Digital Today، “Samsung Electro-Mechanics, Nvidia to expand dedicated AI substrate fabs with joint investment” (22 أكتوبر 2026)
- TrendForce، “Samsung Electro-Mechanics, LG Innotek Ramp Up AI Substrate Capacity as 1H Utilization Reportedly Nears 90%” (27 أغسطس 2026)

