مركز بيانات ثانٍ للبنك المركزي الهندي على الساحل الآخر: مودي يفتتح منشأة جاتني قرب بوبانسوار، ولماذا يبدأ أمان المدفوعات من اختيار الأرض قبل الخوادم؟
ما الذي حدث؟
في مساء الأحد 25 أكتوبر 2026 افتتح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مركز البيانات الجديد التابع لبنك الاحتياطي الهندي (البنك المركزي)، ومعه معهد للتدريب على الأمن السيبراني والحوسبة المؤسسية، في منطقة “إنفو فالي 2” بمدينة جاتني قرب بوبانسوار، عاصمة ولاية أوديشا على الساحل الشرقي للهند. وبحسب وكالة PTI كما نشرتها Business Standard، هبط مودي في مطار بوبانسوار الساعة 4:15 عصراً بالتوقيت المحلي، وانتقل بالمروحية ثم براً إلى الموقع، بحضور وزيرة المالية نيرمالا سيتارامان ومحافظ البنك المركزي سانجاي مالهوترا.
وقال رئيس وزراء الولاية موهان تشاران ماجهي إن المركز “سيكون الثاني من نوعه بعد مركز نافي مومباي”. أي أن البنك المركزي الهندي صار يملك موقعين رئيسيين للحوسبة على ساحلين متقابلين من شبه القارة.
الأرقام
- التكلفة: 169 كرور روبية بحسب ThePrint وPTI، ونحو 170 كروراً بحسب إذاعة All India Radio الحكومية.
- المساحة: 18.55 فداناً.
- وضع حجر الأساس: 22 مارس 2023، على يد المحافظ السابق شاكتيكانتا داس، بحسب البيان الرسمي للبنك المركزي.
- مدة الإنشاء: نحو ثلاث سنوات وسبعة أشهر من حجر الأساس إلى الافتتاح.
- الوظيفة: استضافة “أنظمة الدفع والتسوية ذات المهام الحرجة” ومبادرات أخرى للبنك، وتوفير منظومة حوسبة “آمنة ومرنة وقابلة للتوسع” للبنك وللقطاع المالي، بحسب البيان الحكومي الذي نقلته ThePrint.
ولم تُنشر حتى الآن أرقام القدرة الكهربائية أو عدد الخزائن أو مساحة قاعات الخوادم.
لماذا الموقع هو القرار الهندسي الأول؟
يقول مسؤول نقلت عنه ThePrint وPTI إن الأرض اختيرت “لاستقرارها الجغرافي، بعيداً عن المناطق النشطة زلزالياً والمناطق الحدودية الدولية عالية المخاطر”، لتقليل التعرض للكوارث الطبيعية والمخاطر الجيوسياسية.
هذه الجملة تختصر فلسفة “التنوع الجغرافي” في تصميم البنية الحرجة. فمركز البيانات الواحد، مهما بلغت جودة تصميمه الداخلي، يبقى معرضاً لحدث واحد يصيب المنطقة كلها: زلزال، أو فيضان، أو انقطاع طويل في شبكة الكهرباء الإقليمية، أو قطع لكابلات الألياف التي تغذيه. والحل ليس تحصين المبنى أكثر، بل وضع نسخة ثانية في مكان لا تصيبه المخاطر نفسها في الوقت نفسه.
ويقيس المهندسون نجاح هذا الترتيب برقمين:
- زمن الاستعادة (RTO): كم دقيقة يحتاج النظام ليعود إلى العمل من الموقع الثاني بعد سقوط الأول.
- نقطة الاستعادة (RPO): كم من البيانات، مقيسة بالثواني أو الدقائق، يمكن أن تضيع لحظة الانتقال.
وفي نظام تسوية بين البنوك، يكون الهدف المقبول لنقطة الاستعادة قريباً من الصفر، لأن ضياع معاملة واحدة يعني خللاً في أرصدة مؤسستين.
المسافة سلاح ذو حدين
هنا تظهر المعضلة الهندسية الحقيقية. فالضوء في الألياف البصرية يقطع نحو 200 كيلومتر في كل جزء من الألف من الثانية، أي إن كل ألف كيلومتر من الكابل تضيف نحو 5 أجزاء من الألف من الثانية في كل اتجاه. وإذا أراد النظام نسخاً “متزامناً”، بحيث لا تُعتمد المعاملة قبل أن تُكتب في الموقعين معاً، فإن هذا التأخير يُضاف إلى كل معاملة.
ولذلك تلجأ الأنظمة المالية الكبرى عادة إلى مزيج: نسخ متزامن بين قاعتين أو موقعين قريبين في المدينة نفسها، ونسخ غير متزامن إلى موقع بعيد على مسافة مئات أو آلاف الكيلومترات. الموقع القريب يحمي من عطل المبنى، والبعيد يحمي من كارثة الإقليم. ولم يكشف البنك المركزي الهندي، في ما نُشر حتى الآن، أي نمط سيعتمده بين نافي مومباي وجاتني، ولا ما إذا كان الموقعان سيعملان معاً بالتوازي أم سيبقى أحدهما احتياطياً.
ماذا يعني تصنيف “المستوى” في مراكز البيانات؟
يُستخدم في الصناعة تصنيف معهد Uptime لمراكز البيانات على أربعة مستويات. المستوى الثالث يعني أن أي مكون في مسار الكهرباء أو التبريد يمكن إخراجه للصيانة دون إيقاف الخوادم. والمستوى الرابع يضيف “تحمّل الأعطال”: أي عطل مفاجئ واحد في هذه المسارات لا يوقف التشغيل، لأن هناك مسارين مستقلين فعلياً يعملان معاً. لكن هذا التصنيف يخص المبنى الواحد. أما صمود نظام وطني للمدفوعات فيُبنى من مبنيين أو أكثر، ومن إجراءات الانتقال بينهما.
رأي: الافتتاح هو الجزء السهل
أرى أن معيار اختيار الأرض هو أذكى ما في هذا المشروع، وأن الكشف عنه علناً أمر يستحق التقدير. فكثير من المؤسسات تبني مركزها الاحتياطي على بعد بضعة كيلومترات من الرئيسي، داخل نطاق الزلزال نفسه أو شبكة الكهرباء نفسها، ثم تكتشف يوم الكارثة أن “الاحتياط” سقط مع الأصل.
لكن الافتتاح الرسمي لا يقول شيئاً عن الاختبار الحقيقي: هل يستطيع البنك أن ينقل أنظمة التسوية من الساحل الغربي إلى الشرقي في ساعة عمل عادية، دون إنذار مسبق، ثم يعيدها؟ مركز احتياطي لا يُجرَّب الانتقال إليه بانتظام هو في الواقع مخزن غالٍ للأجهزة. وأتمنى أن ينشر البنك المركزي الهندي، ولو بصيغة عامة، أهدافه لزمن الاستعادة ونقطة الاستعادة ونتائج تدريبات الانتقال، كما تفعل بعض البنوك المركزية في تقاريرها السنوية.
والنقطة الثانية أن المعهد الملحق بالمركز قد يكون أهم من الخوادم. فالبيان يتحدث عن تدريب وبحث في الأمن السيبراني والحوسبة المؤسسية للقطاع المالي كله. والهجوم الإلكتروني لا يحترم التنوع الجغرافي: برمجية الفدية التي تصيب الموقع الأول قد تنتقل مع النسخ المتزامن إلى الثاني في ثوانٍ. الحماية هنا هي نسخ معزولة ومهندسون يعرفون متى يقطعون الاتصال بين الموقعين، لا مسافة الكيلومترات.
وللمنطقة العربية درس مباشر. فأنظمة الدفع الفوري توسعت في دول عربية كثيرة خلال السنوات الأخيرة، وصارت شرياناً يومياً للرواتب والتجارة. والسؤال الذي يجب أن يطرحه مهندسو هذه الأنظمة: هل يقع موقعنا الاحتياطي خارج نطاق الخطر نفسه، زلزالياً وكهربائياً وجيوسياسياً؟
دروس عملية للمهندس
- ابدأ بخريطة المخاطر قبل المخطط المعماري. الزلازل والفيضانات وشبكات الكهرباء والحدود تحدد الموقع قبل أي حساب للتبريد.
- افصل بين حماية المبنى وحماية الإقليم. النسخ المتزامن القريب يحمي من عطل محلي، والبعيد غير المتزامن يحمي من الكارثة الإقليمية.
- احسب زمن الألياف. نحو 5 أجزاء من الألف من الثانية لكل ألف كيلومتر في كل اتجاه، وهذا يحدد ما هو ممكن في النسخ المتزامن.
- جرّب الانتقال فعلاً. خطة التعافي من الكوارث التي لم تُختبر بلا إنذار هي فرضية لا خطة.
- صمم ضد الهجوم لا ضد الكارثة فقط. النسخ المعزولة غير المتصلة بالشبكة هي خط الدفاع الأخير أمام برمجيات الفدية.
المصادر
- Business Standard (PTI)، “PM inaugurates RBI’s ₹169-cr data centre, cybersecurity institute in Odisha” (25 أكتوبر 2026)
- ThePrint، “PM to inaugurate RBI’s data centre in Bhubaneswar” (25 أكتوبر 2026)
- All India Radio News، “PM Modi Inaugurates RBI Data Centre and Cybersecurity Training Institute in Odisha” (25 أكتوبر 2026)
- بنك الاحتياطي الهندي، “Governor, RBI Lays the Foundation Stone of a New Greenfield Data Centre and an Enterprise Computing & Cybersecurity Training Institute” (22 مارس 2023)
- Business Standard (PTI)، “Governor Das calls for augmenting computing infrastructure of RBI” (22 مارس 2023)

