“باجة 2” تفتح أبوابها: مصنع ألماني لضفائر أسلاك السيارات الكهربائية في تونس، فهل تكفي 7,500 وظيفة لصعود سلسلة القيمة؟
ما الذي حدث؟
يوم الخميس 1 أكتوبر 2026 دشنت مجموعة Kromberg & Schubert، المتخصصة في أنظمة الأسلاك والمكونات الكهربائية للسيارات، موقعها الصناعي الجديد “باجة 2” في ولاية باجة شمال غرب تونس، بحضور ممثلين عن السلطات الوطنية والجهوية والتمثيلية الدبلوماسية الألمانية. والمجموعة موجودة في تونس منذ 2008، ولها مصنع في باجة ومركز تقني في أريانة.
والفرق المعلن بين المصنعين واضح: “باجة 1” يخدم أساساً سيارات محركات الاحتراق، أما “باجة 2” فموجه أساساً لأنظمة أسلاك السيارات الكهربائية، ويزود بشكل خاص مصنعي سيارات ألماناً لم تسمّهم المصادر.
المصنع بالأرقام
- 60 ألف متر مربع مساحة الموقع الجديد.
- 270 مليون دينار للبناء والتجهيز (140 مليوناً للمباني و130 مليوناً للمعدات) حتى نهاية 2026، أي قرابة 80 مليون يورو بحسب وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (FIPA). ويقدر المدير العام وسام البدري الكلفة الإجمالية بنحو 300 مليون دينار.
- 300 مليون دينار حجم الاستثمار المتوقع في المعدات وحدها بحلول 2028، بحسب Business News وTuniscope.
- 2,500 إلى 2,600 عامل حالياً، ترتفع إلى 3,500 في 2027 و6,000 في 2028 ونحو 7,500 في 2029.
- 14,700 وظيفة مستهدفة في موقعي باجة معاً بحلول 2029، مع رقم معاملات مجمع يقارب 1.5 مليار دينار.
- نحو 30% من الوظائف الجديدة إطارات وتقنيون، بحسب المدير العام للصناعات المعملية بوزارة الصناعة فتحي السهلاوي.
ماذا يتغير في الضفيرة حين تصبح السيارة كهربائية؟
ضفيرة الأسلاك هي “الجهاز العصبي” للسيارة: آلاف الأسلاك والموصلات والوصلات التي تربط الحساسات ووحدات التحكم والمصابيح والمحرك. وفي سيارة الاحتراق تعمل أغلبها على جهد منخفض، 12 فولتاً في الغالب، ويغلب على تصنيعها العمل اليدوي: قص الأسلاك، وتركيب أطراف التوصيل، وتجميع الحزمة على ألواح تشكيل بحجم السيارة، ثم اختبار كل دائرة كهربائياً.
في السيارة الكهربائية تبقى هذه الشبكة منخفضة الجهد، وتضاف إليها شبكة ثانية مختلفة جذرياً: كابلات الجهد العالي التي تنقل الطاقة بين البطارية والعاكس والمحرك والشاحن. وهذا يغير قواعد التصنيع في ثلاث نقاط:
- المقطع والوزن. التيار الكبير يحتاج موصلات أسمك، وكل كيلوغرام إضافي يقتطع من مدى السيارة، لذلك يزداد الاهتمام بتصميم المسار وتقليل الطول.
- العزل والتدريع. كابل الجهد العالي يحتاج عزلاً أقوى وتدريعاً يمنع التداخل الكهرومغناطيسي مع إلكترونيات السيارة، وتُميَّز هذه الكابلات عادة بلون برتقالي للتحذير.
- الاختبار. الخطأ في دائرة 12 فولتاً يعطل مصباحاً، أما الخطأ في دائرة الجهد العالي فقد يعرض فني الصيانة أو الراكب للخطر. لذلك تصبح اختبارات العزل والاستمرارية جزءاً أثقل من زمن التصنيع.
ولهذا تحديداً تختلف معادلة الاستثمار. فالمصادر تقول إن المعدات وحدها ستصل إلى 300 مليون دينار في 2028، أي أكثر من ضعف ما يُنفق عليها حتى نهاية 2026. هذا مؤشر على أن جزءاً من القيمة ينتقل من اليد العاملة إلى الآلة وأجهزة الاختبار.
الوظيفة الواحدة بكم؟
حسب موقع WMC أن الاستثمار يعادل حالياً نحو 104 آلاف دينار لكل وظيفة قائمة، ونبه إلى أن الرقم أولي لأن المصنع ما زال في مرحلة الصعود. وإذا قسمنا 270 مليون دينار على 7,500 وظيفة مستهدفة، ينزل الرقم إلى نحو 36 ألف دينار للوظيفة (حساب المجلة). والفارق بين الرقمين هو قصة المصنع كله: الاستثمار الثقيل يأتي أولاً، والتوظيف يأتي على مدى أربع سنوات.
وقالت وزارة الصناعة، بحسب Tuniscope، إن ميثاق الشراكة لقطاع مكونات السيارات الموقع في 2022 حدد هدف 60 ألف وظيفة، وإن الهدف تحقق قبل موعده بأكثر من سنة.
رأي: تونس تربح الوظائف، والسؤال هو من يصمم الضفيرة
أرى في “باجة 2” خبراً جيداً بكل المقاييس: مصنع في منطقة داخلية تحتاج التشغيل، وتحول مبكر نحو منتج السيارة الكهربائية بدل البقاء على منتج يتراجع الطلب عليه في أوروبا. لكن الضفيرة صناعة كثيفة العمالة بطبيعتها، وتونس تنافس فيها بكلفة اليد العاملة وقربها من المصانع الألمانية أكثر مما تنافس بالهندسة.
والفرصة الحقيقية في ثلاثة أشياء لا تظهر في أرقام التوظيف:
- هندسة التصميم. الضفيرة تُصمم مع السيارة، ومن يملك تصميم مسارها وتحسين وزنها يملك الجزء الأعلى قيمة. ووجود مركز تقني للمجموعة في أريانة نقطة انطلاق يجب البناء عليها.
- الجودة والاختبار. اختبارات الجهد العالي تخلق وظائف لمهندسي الكهرباء والجودة، لا لعمال التجميع فقط. ونسبة 30% إطارات وتقنيين تستحق أن تُراقب فعلاً لا أن تبقى وعداً.
- المكونات الأعمق. الموصلات والأطراف المعدنية وأغلفة الكابلات المدرعة غالباً ما تُستورد. وكل مكون منها يُصنع محلياً يرفع الحصة التونسية من قيمة الضفيرة.
وتونس ليست وحدها في هذا السباق. فالمغرب ومصر يتنافسان على المصانع نفسها، وأوروبا تراجع قواعد المحتوى المحلي. والدولة التي تنقل مهندسيها من خط التجميع إلى طاولة التصميم هي التي ستحتفظ بالمصانع حين ترتفع الأجور.
دروس عملية للمهندس
- تعلم أنظمة الجهد العالي. معايير السلامة واختبارات العزل والتداخل الكهرومغناطيسي ستصبح مطلوبة في كل مصانع الضفائر في المغرب العربي.
- اقرأ رقم الاستثمار في المعدات. حين يتضاعف إنفاق المعدات أسرع من التوظيف، فالمصنع يتجه إلى الأتمتة، والوظائف الجديدة تحتاج مهارات صيانة وبرمجة.
- لا تكتف بوظيفة الإنتاج. هندسة العمليات وهندسة الجودة وتطوير المنتج هي الطريق الأقصر من المصنع إلى مركز التصميم.
- فرّق بين الهدف والإنجاز. أرقام 2029 أهداف معلنة، والمؤشر الحقيقي هو عدد العاملين ونوع وظائفهم بعد عامين.
المصادر
- African Manager، “German automotive supplier Kromberg & Schubert opens second plant in Beja” (3 أكتوبر 2026)
- FIPA Tunisia، “The German group Kromberg & Schubert is expanding its presence in Tunisia” (2 أكتوبر 2026)
- WMC، “Automobile électrique: Béja change d’échelle dans le câblage” (2 أكتوبر 2026)
- Tuniscope، “Kromberg & Schubert va-t-elle créer 7 500 emplois à Béja? Le ministère de l’Industrie répond” (2 أكتوبر 2026)
- Business News، “Kromberg & Schubert inaugure son nouveau site industriel à Béja” (9 أكتوبر 2026)

