آسيارأي

موقع واحد مُوّل خمس مرات بالإحداثيات نفسها: فضيحة مشروعات مكافحة الفيضانات في الفلبين تسأل كل مهندس عن معنى توقيعه

ماذا حدث؟

منذ أكثر من عام تعيش الفلبين على وقع فضيحة كبرى في مشروعات مكافحة الفيضانات: سدود صغيرة وجدران حماية للأنهار ومصارف قيل إنها بُنيت ودُفع ثمنها، ثم تبين أن بعضها غير موجود أصلاً، وبعضها دون المواصفات.

في 13 و14 أكتوبر 2026 قدم المكتب الوطني للتحقيقات (NBI) شكاوى جنائية إلى وزارة العدل ضد 21 شخصاً بسبب مخالفات في مشروعات لمكافحة الفيضانات في مدينة دافاو. القائمة، كما نشرتها صحيفة Daily Tribune، تضم 12 من مكتب الهندسة في المنطقة التابع لوزارة الأشغال العامة والطرق السريعة (DPWH): مهندسي منطقة ومساعديهم، ومسؤول قسم الإنشاءات، ومهندس مواد، وثلاثة مهندسي مشروعات، ومفتشي مشروعات، ورئيس وحدة المحاسبة، إضافة إلى ملاك وموظفين في شركتي مقاولات.

ووفق صحيفة Philstar، راجع المكتب 100 مشروع ورصد 47 منها لمخالفات محتملة، وأنهى التحقيق في أربعة فقط حتى الآن. والمخالفات المرصودة تشمل مشروعات يُشتبه بأنها وهمية أو دون المواصفات، وموقعاً واحداً مُوّل خمس مرات تحت عناوين مشروعات مختلفة لكنه يحمل الإحداثيات نفسها. وتبلغ قيمة المشروعات التي أُسندت إلى إحدى الشركتين في دافاو 1.9 مليار بيزو. والتهم المقترحة هي التزوير من موظف عام ومخالفة قانون مكافحة الفساد، وهي توصيات للتحقيق لا أحكام بالإدانة.

الأرقام

  • 21 شخصاً في شكاوى المكتب الوطني للتحقيقات، منهم 12 من مكتب الأشغال العامة في دافاو.
  • 100 مشروع رُوجعت، و47 رُصدت، و4 انتهى التحقيق فيها.
  • 5 تمويلات لموقع واحد بالإحداثيات نفسها.
  • 1.9 مليار بيزو قيمة مشروعات دافاو المسندة إلى شركة واحدة.
  • من قرابة 400 مشروع وُصفت في البداية بأنها “وهمية”، قال زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ آلان بيتر كايتانو في 9 أكتوبر إن 10 فقط ثبت أنها غير موجودة.
  • في يناير 2026 قالت وزارة الأشغال إن الجيش والشرطة فحصوا 10,238 من نحو 30,000 مشروع لمكافحة الفيضانات بين 2016 و2025، وإن بعض النتائج قد تكون خاطئة لأن الفرق ذهبت إلى إحداثيات خاطئة.

شرح مبسط: كيف يمكن أن يُدفع ثمن المشروع نفسه خمس مرات؟

في أي جهة أشغال عامة، يمر المشروع بسلسلة وثائق: اسم وعنوان وموقع في خطة الموازنة، ثم عقد، ثم مستخلصات دورية يوقع عليها مهندس المشروع والمفتش ومهندس المواد بأن الكميات نُفذت وأن الاختبارات نجحت، ثم شهادة استلام. والمحاسب يصرف على أساس هذه التوقيعات.

المشكلة أن كل وثيقة تُراجع غالباً وحدها. المراجع يرى عقداً صحيحاً ومستخلصاً موقعاً، ولا يسأل: هل هذا الموقع نفسه له عقد آخر باسم آخر في سنة أخرى؟ ولا يوجد سجل واحد للأصول يعطي كل جدار أو مصرف “هوية” مكانية فريدة، بحيث يرفض النظام آلياً تمويل إنشاء جديد في نقطة بُني فيها شيء من قبل، إلا بمبرر صريح مثل الصيانة أو التوسعة.

وحين لا يوجد هذا السجل، يحدث العكس أيضاً: لا يستطيع أحد لاحقاً أن يثبت بسهولة أي المشروعات وهمي وأيها موجود، كما تكشف الفجوة بين 400 مشتبه بها و10 مثبتة. فالإحداثيات الخاطئة تجعل المشروع الحقيقي يبدو وهمياً، والمشروع الوهمي يختبئ بين الأخطاء.

رأي: التوقيع الهندسي ليس إجراءً إدارياً، والسجل المكاني ليس رفاهية

لا أحكم على الأشخاص المتهمين، فالقضية في بدايتها والتوصية ليست إدانة. لكن قائمة الوظائف وحدها تقول شيئاً مهماً لكل مهندس: مهندس المواد، ومهندس المشروع، والمفتش. هذه ليست مناصب سياسية، بل هي الطبقة التي تحول الخرسانة إلى ورقة صرف. وحين تُتهم هذه الطبقة، فالسؤال ليس فقط “من سرق؟” بل “لماذا كان التوقيع الهندسي سهل التزوير إلى هذا الحد؟”

رأيي أن كثيراً من الجهات في منطقتنا العربية تعامل توقيع المهندس على المستخلص وشهادة الاستلام كخطوة روتينية. يوقع المهندس الشاب لأن رئيسه طلب، ولأن “الجميع يوقع”، ولأن رفض التوقيع يعطل الصرف ويغضب المقاول. والفلبين تذكرنا بأن هذا التوقيع هو ما سيُسأل عنه المهندس أمام المحقق بعد سنوات، لا رئيسه.

والنقطة الثانية أن الحل ليس مزيداً من اللجان، بل مزيد من البيانات المترابطة. سجل أصول مكاني واحد، تُربط فيه كل أعمال إنشاء أو صيانة بإحداثيات ونطاق جغرافي محدد، وتُرفق به صور مؤرخة ومحددة الموقع في كل مرحلة، وتُقارن فيه المشروعات الجديدة آلياً بما سبق في النطاق نفسه. هذه أدوات متاحة ورخيصة اليوم: نظم معلومات جغرافية، وصور أقمار صناعية، وهواتف تسجل الموقع. وقد اقترح كايتانو نفسه في بداية الأزمة أن يوثق المهندسون والمسؤولون المحليون المشروعات بالهواتف ويقارنوها بقوائم الحكومة.

والنقطة الثالثة أن هذا السجل يحمي المهندس الأمين أيضاً. حين يكون كل ما بُني موثقاً بالمكان والزمان، يصعب اتهام مشروع حقيقي بأنه وهمي، ويصعب على أحد أن يطلب منك توقيعاً على ما لم تره.

ودولنا تنفق مبالغ كبيرة على مشروعات صغيرة ومتناثرة من النوع نفسه: مصارف أمطار، وحمايات أودية، وتبطين ترع، وطرق ريفية. وهذه بالضبط المشروعات التي يصعب تتبعها لأنها كثيرة وصغيرة وبعيدة عن الأنظار.

دروس عملية للمهندس

  1. لا توقّع على ما لم تره. شهادة الاستلام والمستخلص وثيقتان قانونيتان باسمك، لا خدمة لرئيسك أو للمقاول.
  2. وثّق بالمكان والزمان. صور مؤرخة ومحددة الموقع لكل مرحلة تحميك قبل أن تحمي الجهة.
  3. اطلب سجلاً مكانياً موحداً للأصول. اقترح في جهتك أن يُعطى كل أصل هوية مكانية، وأن تُفحص المشروعات الجديدة مقابل ما بُني في النطاق نفسه.
  4. افصل بين الصيانة والإنشاء الجديد في البنود. الخلط بينهما هو أسهل طريق لتمويل الشيء نفسه مرتين.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية