آسياالطاقة

خامس انهيار كامل في ست سنوات: سريلانكا تطفئ الشمس على الأسطح لتعيد الكهرباء، فهل المشكلة في الألواح أم في الشبكة؟

ما الذي حدث؟

نحو الساعة 11:45 صباح السبت 17 أكتوبر 2026، انقطعت الكهرباء عن سريلانكا كلها. وأكد مشغل النظام الوطني (National System Operator) في بيان نقله موقع Newswire أن الشبكة تعرضت إلى “انهيار كامل للنظام” بسبب “عدم استقرار في منظومة الكهرباء”، وطلب من جميع أصحاب الأنظمة الشمسية على الأسطح فصلها عن الشبكة حتى إشعار آخر لدعم جهود الإعادة.

وقال وزير الطاقة أنورا كاروناتيلاكا إن الإمداد سيعود “مرحلة بعد مرحلة”. وبحسب صحيفة Sunday Times السريلانكية، عادت الكهرباء تدريجياً حتى ما بعد 6:30 مساءً، فيما نقلت pv magazine أن المشغل أكد الإعادة لمعظم المناطق قرابة 7:50 مساءً. أي أن البلد بقي في الظلام نحو سبع ساعات في بعض المناطق.

ولم يُعلن السبب الرسمي حتى كتابة المقال. لكن الوزير قال إن عطلاً في إحدى وحدتي محطة “أبر كوتمالي” (Upper Kotmale) الكهرومائية يوم الجمعة ربما أسهم في ما جرى. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين اشتباههم في أن إنتاج الطاقة الشمسية تجاوز الطلب، وهو تفسير ما زال في خانة الشك.

الأرقام التي نعرفها

  • وقت الانهيار: نحو 11:45 صباحاً، أي قرب ذروة إنتاج الشمس.
  • الوحدة الثانية في أبر كوتمالي: خرجت يوم 16 أكتوبر الساعة 12:14 بفعل حماية التيار التفاضلي، فاقتطعت 52 ميجاوات، ولم تعد إلى الخدمة. وذكرت مصادر داخلية للصحيفة أن الوحدة الأولى خرجت هي الأخرى صباح السبت، دون تأكيد أن ذلك أطلق سلسلة الانهيار.
  • محطة لاكفيجايا للفحم: وحداتها الثلاث كلها متوقفة؛ واحدة في صيانة تحتاج أربعة أيام على الأقل، واثنتان تحتاجان نحو أسبوع.
  • الطاقة الشمسية على الأسطح: 1,935 ميجاوات في 108,979 توصيلة بنهاية 2025، ارتفاعاً من 1,141 ميجاوات قبل عام، بحسب مجلس كهرباء سيلان.
  • إجمالي الطاقة الشمسية المركبة: أكثر من 3,000 ميجاوات بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، مقابل طلب نهاري بين 2,000 و2,500 ميجاوات.
  • السجل: خامس انهيار شامل منذ فبراير 2020، بعد أغسطس 2020 وديسمبر 2021 وديسمبر 2023 وفبراير 2025.

الفكرة الهندسية: كيف تسقط شبكة صغيرة كلها؟

الشبكة الكهربائية تعيش على توازن لحظي بين ما يُنتج وما يُستهلك، ومؤشر هذا التوازن هو التردد (50 هرتز في سريلانكا). حين تخرج محطة فجأة، يهبط التردد. وما يبطئ هذا الهبوط هو “القصور الذاتي”: الكتل الدوارة الضخمة في مولدات الفحم والمياه التي تختزن طاقة حركية وتقاوم التغير في أجزاء الثانية الأولى.

أما الألواح الشمسية فتتصل بالشبكة عبر عواكس إلكترونية لا تملك كتلة دوارة. ومعظم العواكس المنزلية من نوع “تابع للشبكة” (grid-following)، أي أنها تقيس تردد الشبكة وتتبعه ولا تصنعه. فإذا كانت الشمس تغطي نصف الطلب ظهراً، وكانت محطة الفحم الكبرى متوقفة، يصبح عدد المولدات الدوارة الحاضرة صغيراً، والقصور الذاتي منخفضاً، فيهبط التردد أسرع من قدرة الحمايات على الاستجابة المنظمة.

وتزداد المشكلة سوءاً بسبب سلوك العواكس نفسها. فكثير من العواكس القديمة مضبوط على الانفصال عند انحراف التردد أو الجهد. وحين تنفصل آلاف الأنظمة الصغيرة دفعة واحدة، تفقد الشبكة فجأة مئات الميجاوات إضافية، فيتحول الاضطراب إلى سلسلة. وهذا تقريباً ما خلص إليه تحقيق المجلس في انهيار فبراير 2025: عطل في محطة تحويل باناضورا ظهراً، والطاقة الشمسية فوق 50% من الطلب، وقصور ذاتي غير كاف، ثم هبوط في الجهد وانفصالات متتالية.

ولماذا تُفصل الألواح أثناء الإعادة؟

إعادة شبكة من الصفر (black start) تتم بجزر صغيرة: تبدأ محطة قادرة على التشغيل الذاتي، غالباً كهرومائية، ثم تُضاف الأحمال والخطوط واحدة بعد أخرى، مع ضبط التردد في كل خطوة. ووجود آلاف الأنظمة الشمسية التي تعود تلقائياً للضخ حين ترى جهداً على الخط يعني إنتاجاً لا يراه المشغل ولا يتحكم فيه، فيختل التوازن الهش في الجزيرة الأولى. لذلك يطلب المشغل فصلها يدوياً، لأنه ببساطة لا يملك وسيلة لفصلها عن بُعد.

رأي: الشمس ليست المتهم، بل الشبكة التي لم تتعلم التعامل معها

أرى أن عبارة “فائض الطاقة الشمسية أسقط الشبكة” تختصر قصة أطول. فالسجل نفسه يقول شيئاً آخر: انهيار 2020 بدأ بخطأ إجرائي في محطة تحويل، و2021 بخطأ في مرحل حماية، و2023 بصاعقة ثم إعدادات حماية، و2025 بعطل في محطة تحويل. القاسم المشترك هو هشاشة الحماية والنقل، لا الألواح وحدها. ثم إن انهيار هذا العام جاء والوحدات الثلاث في أكبر محطة دوارة خارج الخدمة معاً، وهذا قرار تشغيلي يستحق المساءلة قبل لوم أصحاب الأسطح.

لكن الصحيح أيضاً أن سريلانكا أضافت قرابة 800 ميجاوات من الأسطح في عام واحد دون أن تبني أدوات التحكم المقابلة. والخطوة التي اتخذتها في 2026، بإلزام الأنظمة الجديدة بعدادات ذكية قابلة للمراقبة عن بُعد ضمن نظام Net Plus، صحيحة لكنها متأخرة ولا تشمل أكثر من مئة ألف نظام قائم. والحل المعروف هندسياً ليس إيقاف الشمس، بل ثلاثة أشياء: بطاريات بعواكس “مكوّنة للشبكة” (grid-forming) تصنع التردد ولا تتبعه، ومعايير إلزامية لتجاوز الأعطال (ride-through) في العواكس، وقدرة للمشغل على خفض إنتاج الأسطح عن بُعد.

والدرس مباشر للمنطقة العربية. فمصر والأردن والمغرب ودول الخليج تتوسع في الطاقة الشمسية بسرعة، والأسطح في الأردن ولبنان تحديداً نمت خارج تخطيط المشغلين. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم: كم ميجاوات على الأسطح لا يستطيع المشغل رؤيتها ولا فصلها؟

دروس عملية للمهندس

  1. احسب القصور الذاتي لا القدرة فقط. في ساعات الظهيرة، عدد الكتل الدوارة الحاضرة أهم من إجمالي الميجاوات المتاحة.
  2. جدولة الصيانة قرار أمني. إخراج كل وحدات محطة كبرى في وقت واحد يرفع خطر الانهيار في شبكة صغيرة.
  3. راجع إعدادات العواكس. حدود الانفصال عن التردد والجهد في العواكس المنزلية يجب أن تُفرض بمعيار وطني، لا بإعدادات المصنع.
  4. ابن قدرة الرؤية والتحكم. العداد الذكي ونظام الإدارة عن بُعد شرط لأي توسع في الطاقة الموزعة.
  5. البطاريات المكوّنة للشبكة ليست رفاهية. هي ما يعوض القصور الذاتي الذي تفقده الشبكة مع كل ميجاوات شمسي جديد.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية