إنترنت فضائي صيني يربط القطبين وهضبة التبت لأول مرة: ماذا اختبرت كاسحة الجليد “جيدي” فعلاً، وما الأرقام التي لم تُنشر؟
ما الذي حدث؟
نقلت وكالة شينخوا يوم 19 أكتوبر 2026، عن وزارة الموارد الطبيعية الصينية، أن سفينة الأبحاث “جيدي” (Jidi، أي “القطب”)، المشاركة في البعثة الصينية السادسة عشرة إلى المحيط المتجمد الشمالي، أكملت اختباراً تطبيقياً “شبه تشغيلي” لشبكة إنترنت فضائية مطورة محلياً على خطوط الملاحة القطبية الشمالية. وقال فريق البعثة إن الرحلة شهدت لأول مرة اتصالاً شبكياً متزامناً بين ثلاث مناطق توصف معاً بـ”أقطاب الأرض الثلاثة”: القطب الشمالي، والقارة القطبية الجنوبية عبر محطة تشينلينغ، وهضبة التبت عبر محطة اختبار في لاسا، إضافة إلى مركز اتصال مرئي في مكتب بحر الشمال التابع للوزارة.
ووصفت صحيفة العلوم والتكنولوجيا اليومية الرسمية ما جرى بأنه “اختراق آخر نقطة عمياء” في الاتصالات العالمية. أما صحيفة غلوبال تايمز فأوضحت، نقلاً عن خبراء، أن النظام لم يدخل الخدمة الكاملة بعد، لأن الكوكبة الوطنية ما زالت قيد البناء.
الأرقام والمعطيات
- حجم الاستخدام في الرحلة: أكثر من 300 ملف بحجم يتجاوز 100 جيجابايت، وأكثر من 40 مؤتمراً مرئياً.
- السيناريوهات المختبرة: مكالمات صوتية، ونقل ملفات كبيرة، واتصال مرئي بين السفينة والبر، ونقل بيانات الأجهزة العلمية، وتشغيل مستمر لمنصة التنبؤ البحري.
- حالة طبية: أصيب أحد أفراد الطاقم بوعكة مفاجئة، فجرت استشارة مرئية عالية الدقة مع أطباء في مستشفى بمدينة تشينغداو.
- عوامة بحرية: نقلت العوامة الانجرافية “جيغان” بيانات رصد المحيط عبر الشبكة المحلية، بدل الخدمات الفضائية الأجنبية المعتادة.
- ظروف التشغيل: برد شديد، وارتفاع كبير، ورياح قوية، وعواصف رملية، وضباب جليدي.
- السرعة والكمون: لم يُنشر أي رقم لاختبار “جيدي”. لكن غلوبال تايمز ذكرت أن اختبارات سابقة في 9 أكتوبر، شاركت فيها سفينتان أخريان، سجلت سرعة قصوى نحو 30 ميجابت في الثانية وتأخيراً في الفيديو أقل من ثانية.
شرح مبسط: لماذا يصعب الاتصال في القطب؟
أغلب الاتصالات الفضائية التقليدية تمر عبر أقمار في المدار الثابت، على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر فوق خط الاستواء. وهذه الأقمار تبدو للمستخدم في نقطة ثابتة من السماء، لكنها تنخفض نحو الأفق كلما اتجهنا شمالاً. وقرب خط العرض 81 درجة تقريباً تختفي تحت الأفق تماماً، وقبل ذلك بكثير تصبح زاوية الارتفاع منخفضة إلى حد يجعل الجليد والأمواج وهياكل السفينة نفسها تحجب الإشارة. ولهذا بقيت المناطق القطبية تعتمد على أنظمة قليلة ذات سعة محدودة.
الحل هو الأقمار في المدار المنخفض، على ارتفاع بضع مئات من الكيلومترات، وفي مدارات شديدة الميل تمر فوق القطبين. لكن هنا تظهر مشكلة ثانية: القمر المنخفض لا يرى إلا رقعة صغيرة من الأرض، ويحتاج عادة محطة أرضية قريبة ليوصل البيانات إلى الشبكة. وفي وسط المحيط المتجمد لا توجد محطات. ولهذا قال الخبير كانغ غوهوا، من الجمعية الصينية للملاحة الفضائية، إن الاختبار يُظهر أن الأقمار المنخفضة فوق القطب تستطيع تمرير البيانات عبر روابط ليزرية بين الأقمار دون محطات أرضية. أي أن الإشارة تقفز من قمر إلى قمر في الفضاء حتى تصل إلى قمر يرى محطة على اليابسة.
ويبقى الطرف الأرضي تحدياً قائماً بذاته. فالهوائي على سطح السفينة يجب أن يتتبع أقماراً تتحرك بسرعة، وأن يعمل والسفينة تتمايل، وأن يتحمل تراكم الجليد والبرد. ولم تُنشر مواصفات الطرفيات المستخدمة.
رأي: إثبات للتغطية، لا إثبات للخدمة
أرى أن الاختبار مهم، لكن عنوانه أكبر من مضمونه المنشور. فكلمة “شبه تشغيلي” دقيقة، وقد شرحها الخبير بانغ تشيهاو بأنها مرحلة بين التحقق التجريبي والنشر الكامل، واعترف بأن التحديات ما زالت قائمة: كوكبة لم تكتمل، وطرفيات مرتفعة الكلفة، وتشغيل وصيانة يحتاجان إلى تحسين. ومئة جيجابايت في رحلة استمرت أسابيع كمية متواضعة بمقاييس الشبكات التجارية، وإن كانت كافية لعمل علمي ولاستشارة طبية.
والرقم الغائب هو الأهم: كم ساعة في اليوم كانت الخدمة متاحة فوق خطوط العرض العليا؟ ففي كوكبة غير مكتملة، يمر القمر ثم يغيب، والتغطية تكون على فترات. ومن دون نسبة إتاحة وسرعة متوسطة لا قصوى، لا نستطيع الحكم على الجاهزية التشغيلية.
لكن الرسالة الاستراتيجية واضحة، وهي التي تستحق انتباهنا في المنطقة العربية. فالعوامة التي تخلت عن الخدمات الأجنبية مثال صغير على فكرة كبيرة: الصين تبني مسار بيانات كاملاً تملكه من الحساس إلى القمر إلى المحطة. والدول العربية تعتمد في معظم اتصالاتها الفضائية للمناطق النائية والسفن ومنصات النفط البحرية على مزودين أجانب. ولا أدعو إلى تكرار التجربة الصينية بحجمها، فهذا يفوق قدرة أي دولة عربية منفردة، لكن أدعو إلى تخطيط مسار بديل واحد على الأقل للبيانات الحرجة، سواء عبر مشغلين عرب أو عبر تعدد المزودين.
دروس عملية للمهندس
- اعرف حدود المدار الثابت. فوق خطوط العرض العليا، زاوية الارتفاع هي المشكلة قبل السعة.
- الكوكبة المنخفضة بلا محطات أرضية تحتاج روابط بين الأقمار. وهذا يرفع كلفة القمر وتعقيد الشبكة.
- اطلب نسبة الإتاحة لا السرعة القصوى. رقم 30 ميجابت في الثانية لا يقول شيئاً عن ساعات الانقطاع.
- صمم الطرفية للبيئة. الجليد والملح والغبار والاهتزاز تفشل الهوائي قبل أن يفشله القمر.
- خطط لمسار بيانات بديل. في المشروعات النائية والبحرية، الاعتماد على مزود فضائي واحد مخاطرة تشغيلية.
المصادر
- شينخوا، “国产卫星互联网首次实现北极、南极、青藏高原联网通信” (19 أكتوبر 2026)
- Science and Technology Daily، “国产卫星互联网极区综合示范验证取得多项突破性成果” (19 أكتوبر 2026)
- Global Times، “China’s satellite internet moves closer to operational use after Arctic route test” (19 أكتوبر 2026)
- Global Times / Xinhua، “China’s satellite internet links Arctic, Antarctica, Qinghai-Tibet Plateau for first time” (19 أكتوبر 2026)

