الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
أفريقيارأي

“راند ووتر” تهدد بتقليص المياه عن جوهانسبرغ: ما يسمى “إفراطاً في الاستهلاك” هو في الحقيقة شبكة تسرّب نصف مائها

ماذا حدث؟

قالت “راند ووتر” في بيان يوم الثلاثاء 20 أكتوبر إن استهلاك عدد من عملائها من البلديات بلغ مستويات عالية استثنائية، وإنها تضخ بأقصى طاقتها بينما يستمر الطلب في الارتفاع حتى بلغ مستويات قياسية. وقالت المتحدثة باسمها ماكينوسي مارو إن “الإفراط المستمر في الاستهلاك يجعل موازنة الإمداد عبر الشبكة أصعب فأصعب”، وإن “الالتزام الفوري ضروري لتجنب خطر فشل المنظومة”. وأضافت الشركة أنها نبهت البلديات مراراً، وأنها “لن تتردد في اتخاذ الإجراء المناسب”، بما في ذلك تقليص الإمداد للعملاء المتجاوزين، بحسب Engineering News وIOL وBusinessDay.

الأرقام

بحسب الجدول الذي نشرته “راند ووتر” ونقلته Engineering News وIOL (بالميجالتر يومياً):

  • جوهانسبرغ: تسحب 1,801 مقابل حصة مرخصة 1,356 وحصة مؤقتة 1,528. المطلوب خفض فوري بـ273 ثم خفض تدريجي يصل مجموعه إلى 445.
  • تشواني (بريتوريا): تسحب 794 مقابل 667 مرخصة و752 مؤقتة. المطلوب 42 فوراً و127 تدريجياً.
  • إمفوليني: تسحب 315 مقابل 239 دائمة و269 مؤقتة.
  • إيكورهوليني: تسحب 1,005 وهي دون حصتها البالغة 1,022.
  • بلديات أصغر تتجاوز حصصها أيضاً، منها موغالي سيتي (107 مقابل 93) وميدفال (39 مقابل 28) ومادبينغ (14 مقابل 8).

بحساب بسيط، تسحب جوهانسبرغ نحو 33% فوق حصتها المرخصة. وليست هذه أول مرة: في فبراير 2026 أعلنت “راند ووتر” أنها ستخفض الضغط والإمداد عن المدن الكبرى لأنها تسحب أكثر من الحد الإجمالي البالغ 3,045 ميجالتر يومياً، بحسب Engineering News.

شرح مبسط: أين يذهب الماء؟

“راند ووتر” تبيع الماء بالجملة. تعالجه وتضخه في خطوط ضخمة إلى خزانات البلديات، والبلدية توزعه في شبكتها إلى المنازل والمصانع وتحصّل ثمنه. وكل ما يخرج من خزان البلدية ولا يعود إليها فاتورة مدفوعة يسمى “المياه غير المدرة للإيراد” (Non-Revenue Water). وهذا يشمل ثلاثة أشياء: تسربات فعلية من أنابيب قديمة ومكسورة، وخسائر “ظاهرية” من عدادات معطلة وتوصيلات غير قانونية وأخطاء في الفوترة، واستهلاكاً مسموحاً لا يُحاسب عليه.

وأرقام جوهانسبرغ هنا هي مفتاح القصة. في أبريل 2026 نشرت Daily Maverick جدولاً من وزارة المياه والصرف الصحي يُظهر أن نحو نصف المياه التي تُمد بها جوهانسبرغ غير مدرة للإيراد، وأن المتوسط الوطني تجاوز 47%. وفي يونيو 2026 قال عمدة جوهانسبرغ دادا موريرو أمام لجنة الحسابات العامة في البرلمان إن شركة مياه المدينة فقدت 44.7% من مياهها، بحسب TimesLIVE.

ضع الرقمين معاً. إذا كان نحو 45% من 1,801 ميجالتر لا يصل إلى فاتورة، فهذا قرابة 800 ميجالتر يومياً، أي ما يقارب ضعف التجاوز الذي تشكو منه “راند ووتر”. والمعنى أن المدينة لو استعادت نصف فاقدها فقط لعادت تقريباً إلى حصتها المرخصة، دون أن يُطلب من أي ساكن أن يستحم أقل.

رأي: لا تعاقبوا الأحياء المرتفعة على أنابيب مكسورة

أتفهم موقف “راند ووتر”. فهي تدير منظومة تعمل بأقصى طاقتها، وحين تسحب بلدية أكثر من حصتها تنخفض مستويات الخزانات عند الجميع، بما فيهم البلديات الملتزمة مثل إيكورهوليني. والتهديد بالتقليص أداة مشروعة لحماية المنظومة من الانهيار.

لكن كلمة “إفراط في الاستهلاك” تحمل اتهاماً ضمنياً للسكان، بينما تقول الأرقام إن جزءاً كبيراً من “الاستهلاك” لا يستهلكه أحد، بل يتسرب إلى التربة والشوارع أو يمر عبر عدادات لا تعمل. والأسوأ أن تقليص الإمداد بالجملة أداة عمياء. حين يقل الماء الداخل إلى شبكة تتسرب، ينخفض الضغط أولاً في الأحياء المرتفعة وفي أطراف الشبكة، فتجف حنفياتها قبل غيرها، بينما يستمر التسرب في الأنابيب المنخفضة التي تحتفظ بضغطها. أي أن العقوبة تقع على من لا ذنب له.

رأيي أن الحل يجب أن ينقل النقاش من “الحصة” إلى “الفاقد”. على “راند ووتر” ووزارة المياه أن تربطا أي حصة مؤقتة إضافية بخطة مُلزمة ومُعلنة لخفض الفاقد: تقسيم الشبكة إلى مناطق قياس مستقلة، وإدارة للضغط ليلاً حين يقل الطلب ويرتفع التسرب، وفرق إصلاح بزمن استجابة محدد، واستبدال للعدادات المعطلة. وعلى البلدية أن تنشر كل شهر حجم الماء الذي استعادته، كما نشرت “راند ووتر” جدول التجاوزات. الشفافية التي طُبقت على الحصص يجب أن تُطبق على الفاقد أيضاً.

وهذا الدرس لا يخص جوهانسبرغ وحدها. كل ميجالتر مفقود في شبكة مدينة خليجية تعتمد على التحلية هو طاقة وكيماويات ومياه بحر عولجت ثم ضاعت. وفي المدن العربية التي تعاني شح المصادر، يكون خفض الفاقد غالباً أسرع وأرخص مصدر “جديد” للمياه.

دروس عملية للمهندس

  1. ابدأ بموازنة مائية. قبل أن تطلب مصدراً جديداً، اعرف كم يدخل الشبكة وكم يُفوتر وكم يضيع، وافصل التسرب الفعلي عن الخسائر الظاهرية.
  2. قسّم الشبكة إلى مناطق قياس. منطقة معزولة لها عداد مدخل واحد تكشف التسرب من قراءة التدفق الليلي الأدنى.
  3. أدر الضغط. خفض الضغط في ساعات الليل يقلل التسرب ويطيل عمر الأنابيب، وهو أرخص من الحفر.
  4. احذر التقليص الأعمى. إذا اضطررت إلى خفض الإمداد، فخطط له حياً بحي حتى لا تجف الأطراف والمرتفعات أولاً.
  5. انشر الأرقام. جدول عام بالفاقد شهرياً يصنع ضغطاً للإصلاح أقوى من أي تهديد بالتقليص.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕