الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
الصينتقنيات هندسية

محرك يتدلى تحت السفينة ويكسر جليداً بسمك 2.1 متر: الصين تُخرج أول دافع “بود” محلي بقدرة 10 ميجاوات لكاسحات الجليد، فما الذي يجعل هذه القطعة بهذه الصعوبة؟

ما الذي حدث؟

يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 خرج من خط الإنتاج في شنغهاي دافع بحري من نوع “البود” (Podded Propulsor) بقدرة 10 ميجاوات، صُمم لسفن كسر الجليد القطبية. وبحسب صحيفة غلوبال تايمز وموقع صحيفة الشعب، نقلاً عن التلفزيون الصيني CCTV، فهو أول دافع من هذا النوع عالي القدرة تطوره الصين محلياً. والشركة المصنعة هي Powermaster Marine، ورئيسها ومديرها العام تشو هاو هو من أعلن أرقام الأداء.

وسيُشحن الدافع إلى حوض بناء سفن أوروبي لم يُكشف اسمه، ولم تُسمَّ السفينة التي سيُركب عليها. وكانت الشركة قد فازت في فبراير 2025 بأول طلب صيني لتركيب دافع بود عالي القدرة وعالي التصنيف الجليدي على سفينة، لتصبح، بحسب غلوبال تايمز، ثاني مورد في العالم لهذا الصنف من المعدات بعد مجموعة ABB.

الأرقام والمعطيات

  • القدرة الاسمية: 10 ميجاوات، بدفع كهربائي بالكامل.
  • الدوران: 360 درجة، ما يسمح بكسر الجليد في الاتجاهين، للأمام وللخلف.
  • الاختبار: اختبار كامل على منصة محلية للحمل الكامل بقدرة 40 ميجاوات، هو الأول من نوعه في الصين، شمل 18 فحصاً، منها تشغيل عند 150% من الحمل و120% من السرعة الاسمية.
  • العزم في الجليد: يعمل عند 160% من العزم الاسمي في ظروف كسر الجليد.
  • الجليد: يكسر جليداً بسمك 2.1 متر، يعلوه 20 سنتيمتراً من الثلج.
  • الجدول، بحسب Shanghai Observer: الوصول إلى الحوض الأوروبي أواخر نوفمبر 2026، والتركيب على السفينة في فبراير 2027، والاختبارات على متن السفينة في يونيو 2027، والجاهزية للتسليم بين أغسطس وأكتوبر 2027.

شرح مبسط: كيف يعمل دافع “البود”؟

في السفينة التقليدية يقع المحرك داخل البدن، ويدير عموداً طويلاً يخرج من مؤخرة السفينة إلى المروحة، ويتولى الدفة خلفها تغيير الاتجاه. أما في دافع البود، فالمحرك الكهربائي نفسه موضوع داخل غلاف انسيابي يتدلى تحت البدن، ويدير المروحة مباشرة. ويدور الغلاف كله حول محوره الرأسي، فيوجه الدفع في أي اتجاه، فلا تبقى حاجة إلى دفة ولا إلى عمود طويل.

وتأتي الكهرباء من مولدات داخل السفينة، ولهذا يسمى النظام “دفعاً كهربائياً”. وتتيح هذه البنية توزيع المولدات بحرية داخل البدن، وتشغيل عدد منها بحسب الحاجة.

وفي الجليد تظهر ميزة إضافية. فبحسب ABB، التي تنتج هذه الأنظمة منذ عقود، تبحر السفن المزودة بدوافع البود بمؤخرتها أولاً حين تواجه أصعب الجليد: تطحن المراوح الجزء المغمور من حافة الجليد المتراكم لتفتح ممراً، ويغسل تيار الماء الخارج منها جانبي البدن فيقلل احتكاكه بالجليد.

لماذا هي قطعة صعبة؟

المشكلة أن المروحة في الجليد لا تدور في ماء فقط. فهي تصطدم بكتل صلبة تفرض عليها أحمالاً مفاجئة، وقد توقفها لحظياً. ولهذا لا يكفي أن يُصمم المحرك لقدرته الاسمية، بل يجب أن يتحمل عزماً أعلى بكثير لفترات قصيرة دون أن ينهار الحامل أو تتلف المحامل والموانع. ورقم 160% من العزم الاسمي هو ترجمة مباشرة لهذا الشرط.

ويضاف إلى ذلك البرد الشديد، والصدمات المتكررة على الغلاف نفسه، وصعوبة الصيانة: فالمحرك تحت الماء، وأي عطل يعني غالباً إدخال السفينة إلى حوض جاف. ولهذا وصفت غلوبال تايمز الدافع بأنه “قلب” السفينة القطبية الذي يتطلب متانة إنشائية عالية واستقراراً في القدرة وموثوقية طويلة الأمد.

رأي: المنصة قبل المنتج

أرى أن أهم رقم في هذا الخبر ليس 10 ميجاوات ولا 2.1 متر، بل منصة الاختبار بقدرة 40 ميجاوات. فاختبار دافع بهذا الحجم عند حمل كامل وزائد يحتاج إلى منظومة تستطيع امتصاص القدرة وتحميل المحرك بعزم متغير يحاكي الجليد. ومن لا يملك هذه المنصة يضطر إلى الاكتفاء باختبارات جزئية، ثم يكتشف المشكلات في البحر، حيث يكون الإصلاح أغلى بعشرات المرات.

وهذا نمط يتكرر في كل صناعة ثقيلة تحاول دولة ما توطينها: المنتج الأول ممكن بالهندسة العكسية والاجتهاد، أما المنتج الذي يثق به حوض بناء أوروبي فيحتاج إلى بنية اختبار وشهادات وسجل تشغيل. ولهذا أيضاً سيكون الامتحان الحقيقي في يونيو 2027، في اختبارات السفينة، لا في يوم خروج الدافع من المصنع.

ويجب أن نقرأ الأرقام بحذر. فكلها حتى الآن من الشركة المصنعة عبر الإعلام الرسمي الصيني، ولم تُعلن درجة التصنيف الجليدي ولا هيئة التصنيف التي ستعتمد الدافع.

وما شأن المهندس العربي بكاسحات الجليد؟ الدافع نفسه لا يخصنا، لكن تقنيته تخصنا. فدوافع البود والدفع الكهربائي تنتشر في سفن الركاب والعبّارات وسفن الخدمات البحرية التي تعمل في موانئ الخليج والبحر الأحمر والمتوسط. ودخول مورد ثانٍ إلى سوق احتكرته شركة واحدة تقريباً قد يغير أسعارها وشروط صيانتها.

دروس عملية للمهندس

  1. صمم للحمل الطارئ لا للحمل الاسمي. الجليد، مثل الزلازل وقصر الدوائر، يفرض ذروة أعلى بكثير من المتوسط.
  2. استثمر في الاختبار قبل الإنتاج. منصة الحمل الكامل تحدد إن كان المنتج سيُقبل أم لا.
  3. الصيانة جزء من التصميم. حين يكون المكوّن تحت الماء، تصبح الموثوقية أهم من الكفاءة.
  4. التكامل الكهربائي فرصة. الدفع الكهربائي يحول السفينة إلى محطة كهرباء صغيرة، وهذه مهارات يملكها مهندسو الطاقة عندنا.
  5. فرّق بين الإعلان والتشغيل. خروج المنتج من المصنع بداية الاختبار، لا نهايته.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕