الأمريكتانتقنيات هندسية

قوالب خرسانة مطبوعة في أسبوعين بدل ستة أشهر: لماذا قد يبدأ تسريع بناء المفاعلات النووية من “الشدة” لا من المفاعل؟

ما الذي حدث؟

أعلن مختبر أوك ريدج الوطني (ORNL) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، في بيان مؤرخ 14 أكتوبر 2026، أن مشروعه “قوالب مركبة متقدمة لتسريع البنية التحتية النووية عالية الدقة” نال جائزة “القوة المجتمعة” في معرض ومؤتمر CAMX لعام 2026، وهي إحدى جائزتين رئيسيتين يمنحهما المعرض لفرق العمل المشتركة في مجال المواد المركبة.

الفكرة بسيطة في ظاهرها: بدل تصنيع قوالب فولاذية مخصصة لصب الأجزاء الخرسانية المعقدة في المنشأة النووية، تُطبع القوالب من بوليمر مقوى بالألياف على طابعات كبيرة الحجم، ثم تُشغَّل آلياً لتصل إلى الدقة المطلوبة. وقد انتقلت التقنية من المختبر إلى تجربة بالحجم الكامل في حرم شركة كايروس باور في أوك ريدج بولاية تينيسي، حيث يُبنى مفاعل “هيرمس” التجريبي منخفض القدرة. وشارك في المشروع إلى جانب المختبر وكايروس كل من مقاول التنفيذ بارنارد كونستركشن، ومركز الهياكل والمواد المركبة في جامعة مين، وعدد من الشركات المتخصصة في الطباعة والمواد.

الأرقام الأساسية

  • زمن تجهيز القالب: نحو أسبوعين من التصميم إلى التسليم، مقابل نحو ستة أشهر لتصنيع القوالب الفولاذية التقليدية، بحسب المختبر.
  • الدقة: جزء من ستة عشر من البوصة (نحو 1.6 مليمتر) على الأسطح الحرجة.
  • حجم القطع التجريبية: كل قطاع نحو 10 × 10 أقدام (قرابة 3 × 3 أمتار)، وتُرصّ ثلاثة قطاعات فوق بعضها لتكوين عمود.
  • المادة: وصف المختبر في إعلانه الأول عن التجربة (يوليو 2025) القوالب بأنها من بلاستيك ABS المقوى بألياف الكربون.
  • التنفيذ: أنهى فريقا كايروس وبارنارد صب نموذج “جانوس” للدرع الخرساني في غضون أيام.
  • المفاعل المستهدف: “هيرمس” مفاعل تجريبي بقدرة 35 ميجاوات حرارية، مبرد بأملاح الفلوريد المنصهرة، ويعمل بوقود TRISO على هيئة كرات، وكان أول مفاعل من الجيل الرابع يحصل على تصريح إنشاء من هيئة الرقابة النووية الأمريكية في ديسمبر 2023.

الشرح التقني المبسط: لماذا القالب مشكلة أصلاً؟

في أي مبنى خرساني، القالب (أو “الشدة” كما يسميها مهندسو الموقع عندنا) هو الوعاء المؤقت الذي يحدد شكل العنصر قبل أن تتصلب الخرسانة. في عمارة سكنية تتكرر الأعمدة والبلاطات بالأبعاد نفسها، فتُستخدم الشدة مرات كثيرة وتنخفض تكلفتها على كل صبة.

أما في المنشأة النووية فالوضع مختلف. الدرع الحيوي حول المفاعل كتلة خرسانية سميكة وظيفتها امتصاص الإشعاع وحماية العاملين، وهو مليء بالفتحات والتجاويف ومسارات الأنابيب والكابلات، وكثير من عناصره لا يتكرر. والأهم أن الوصلات بين الألواح لا يمكن أن تكون مستقيمة بسيطة، لأن أي فاصل مستقيم يخترق الدرع قد يصبح ممراً سهلاً للإشعاع. لذلك تُصمم الوصلات متداخلة أو متدرجة. وصناعة قالب فولاذي لشكل كهذا عمل ورش دقيق وبطيء ومكلف، ولا يُستخدم القالب غالباً إلا مرات قليلة.

هنا تأتي الطباعة كبيرة الحجم: الطابعة تبني الشكل المعقد مباشرة من الملف الرقمي، طبقة فوق طبقة، ثم تُشغَّل الأسطح الحرجة على آلة تحكم رقمي لتصل إلى الدقة المطلوبة. وبحسب المختبر، تسمح هذه القوالب بصب ألواح الدرع بوصلات متداخلة تُركّب دون حشو بالمونة (grout-free)، وهي تتحمل الضغط الكبير الذي تمارسه الخرسانة الطرية على جدران القالب.

رأي: المفاعل الصغير لن يكون رخيصاً إذا بقي موقعه بطيئاً

أرى أن قيمة هذا الخبر تتجاوز جائزة أو تجربة ناجحة. فالنقاش العام حول المفاعلات الصغيرة والمتقدمة يتركز عادة على التصميم: نوع الوقود، والمبرد، وأنظمة الأمان الذاتية. لكن تاريخ المشروعات النووية الكبيرة يقول إن الجدول الزمني كثيراً ما ينزلق في أعمال الموقع: الخرسانة، والتسليح الكثيف، والعناصر المدفونة، والتنسيق بين التخصصات. وعندما يحتاج عنصر واحد إلى قالب يستغرق تصنيعه ستة أشهر، فإن أي تعديل في التصميم أثناء التنفيذ، وهو أمر وارد جداً في مفاعل تجريبي، يعني انتظار نصف عام آخر.

لذلك فالرقم الأهم في الخبر عندي ليس الدقة ولا الحجم، بل تقليص زمن التكرار من ستة أشهر إلى أسبوعين. هذا يحول القالب من “طلبية” يُخطط لها مبكراً ويُخشى تغييرها، إلى عنصر يمكن تعديله مع تطور التصميم. وقد أشار المختبر صراحة إلى أن ملاحظات فريق المقاول في الموقع أدت إلى تعديلات في التصميم لتحسين قابلية التنفيذ، وهذه بالضبط الحلقة التي تفتقدها مشروعات كثيرة: أن يعود صوت الموقع إلى المصمم قبل فوات الأوان.

لكن علينا ألا نبالغ. أولاً، القوالب مخصصة لأجزاء من منشأة هيرمس، لا للمنشأة كلها، وتسريع تصنيع القوالب لا يعني بالضرورة تسريع بناء المفاعل ككل، فالترخيص والتصميم والاختبارات لها مساراتها الخاصة. ثانياً، لم يعلن المختبر عدد مرات إعادة استخدام القالب، ولا التكلفة المقارنة مع الفولاذ، وهما رقمان حاسمان لأي مقاول. ثالثاً، البلاستيك يتأثر بالحرارة أكثر من الفولاذ، وخرسانة الكتل السميكة تولّد حرارة إماهة كبيرة، فكيف يتصرف القالب في صب ضخم أو في صيف خليجي؟ هذه أسئلة مفتوحة لا يجيب عنها البيان.

ومع ذلك أرى في التجربة رسالة مهمة للمنطقة العربية. فالمشروعات النووية في المنطقة، وفي مقدمتها محطة الضبعة في مصر، مشروعات خرسانية في جوهرها بقدر ما هي نووية. وكذلك العمارة المعاصرة في الخليج التي تميل إلى الأشكال الحرة والواجهات الخرسانية المنحنية. والدرس هنا أن الطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء ليست بالضرورة طباعة المبنى نفسه، كما يتصور كثيرون، بل قد تكون أكثر واقعية وأسرع عائداً حين تطبع “الأداة” التي تُصب فيها الخرسانة التقليدية المعتمدة في الكودات.

دروس عملية للمهندس

  1. الشدة تخصص هندسي لا عمل نجارة. تصميم القوالب يعني حساب ضغط الخرسانة الطرية، ومعدل الصب، والانحرافات المسموحة. مهندس الإنشاء الذي يتقن هذا الجانب قيمته عالية في أي مشروع معقد.
  2. راقب “الطباعة غير المباشرة”. طباعة القوالب والأدوات قد تدخل مواقعنا أسرع من طباعة الجدران، لأنها لا تغير مواصفات المادة الإنشائية النهائية.
  3. اقرأ عن الدروع الإشعاعية. فهم سبب الوصلات المتدرجة وكثافة الخرسانة ودور التسليح في المنشآت النووية مهارة مطلوبة مع توسع البرامج النووية في المنطقة.
  4. اسأل عن الأرقام الغائبة. حين تقرأ خبراً عن تقنية بناء جديدة، اسأل: كم مرة يُعاد استخدامها؟ وكم تكلفتها لكل متر مربع؟ وكيف تتصرف في ظروفنا المناخية؟ غياب الإجابة لا يعني فشل التقنية، لكنه يعني أنها لم تُختبر بعد بمعايير السوق.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية