قابس تختنق مرة أخرى، والمحكمة قالت إن “الضرر غير ثابت”: حين يغيب جهاز القياس يصبح الدليل مستحيلاً
ماذا حدث؟
بحسب موقع Business News التونسي، أبلغت مجموعة “أوقفوا التلوث” (Stop Pollution) عن انبعاثات غازية وصفها السكان بأنها “خانقة” في المناطق المحيطة بالمجمع الكيميائي التونسي في شط السلام بقابس، ليلة 10 إلى 11 أكتوبر 2026. وأغلق السكان طريقاً احتجاجاً. وأشار الموقع إلى أن حجم الانبعاثات وتركيبها “ما زالا بحاجة إلى تحديد”.
وفي 13 أكتوبر ذكر موقع أنباء تونس أن سكان قابس والمناطق المجاورة استمروا في المعاناة من صعوبات في التنفس بسبب التلوث الكيميائي حتى اليوم السابق لنشره. وفي 14 أكتوبر أعلنت المجموعة أن الحكم في القضية التي رفعها المجمع الكيميائي على 13 ناشطاً، على خلفية اعتصام عام 2020، تأجل إلى 21 أكتوبر.
الخلفية والأرقام
- 1972: سنة إنشاء المجمع في منطقة شط السلام، ويضم وحدات لمعالجة الفوسفات وإنتاج الأسمدة، بحسب عربي21.
- 26 فبراير 2026: رفضت المحكمة الابتدائية بقابس طلباً استعجالياً من فرع المحامين لوقف الوحدات الملوثة، بسبب “غياب إثبات الضرر”، بحسب ما نقله allAfrica عن مجموعة “أوقفوا التلوث”. وقال رئيس الفرع الجهوي للمحامين منير العدوني، بحسب عربي21، إن المحكمة رأت أن “الضرر غير ثابت” وأن إثباته يتطلب اختبارات علمية.
- أغسطس 2026: قال الرئيس التونسي قيس سعيد خلال زيارة إلى شط السلام إن الوحدات الملوثة لن تُشغَّل، وإن العمل سيقتصر على الوحدات التي أُصلحت، بحسب عربي21.
- 13 ناشطاً يُحاكمون بتهمة “تعطيل حرية العمل”، وكان قد صدر بحقهم حكم غيابي في 8 مارس 2023 بالسجن عاماً، بحسب أنباء تونس.
- تقول المجموعة إن المنطقة ما زالت تواجه انبعاثات غازية وحالات اختناق وحوادث عمل أودت بحياة عامل وأصابت آخر إصابة بالغة.
شرح مبسط: ماذا يعني “قياس مستمر للانبعاثات”؟
مصانع الأسمدة الفوسفاتية تمر بمراحل كيميائية تطلق عادة غازات مثل مركبات الكبريت والأمونيا والفلور، بتركيزات تعتمد على حالة المعدات وأنظمة المعالجة. والسيطرة على هذه الانبعاثات تتم بأجهزة غسل الغازات والمرشحات، وكفاءتها تتراجع مع التآكل وسوء الصيانة.
لكن السيطرة وحدها لا تكفي، بل يجب القياس. هناك مستويان: الأول أجهزة قياس مستمرة داخل المداخن نفسها، تسجل تركيز كل غاز دقيقة بدقيقة. والثاني محطات رصد لجودة الهواء في الأحياء المحيطة، تقيس ما يصل فعلاً إلى رئات السكان. حين يرتبط المستويان بنظام بيانات واتجاه الريح، يصبح بالإمكان أن تقول بثقة: في الساعة الفلانية ارتفع تركيز غاز معين في هذا الحي، وكان مصدره هذه الوحدة.
رأي: الضرر “غير الثابت” نتيجة تصميم لا صدفة
لست في موقع الحكم على القضاء التونسي، ولا على تفاصيل القضية المرفوعة على الناشطين. لكن عبارة “الضرر غير ثابت” تستوقفني بوصفي مهندساً. كيف يمكن لمجمع صناعي يعمل منذ أكثر من خمسة عقود قرب منطقة سكنية أن يكون الضرر الناتج عنه، إن وُجد، غير قابل للإثبات؟ الإجابة في رأيي بسيطة: لأن الدليل لم يُصمم ليوجد.
حين لا توجد بيانات قياس مستمرة ومنشورة، يقع عبء الإثبات على السكان. والسكان لا يملكون أجهزة رصد، بل يملكون أعراضاً وروائح وشهادات. فيدخل الطرفان المحكمة بموقفين غير متكافئين: مؤسسة تملك المعلومة ولا تنشرها، ومواطنون يشعرون بالضرر ولا يستطيعون قياسه.
والمفارقة أن القياس المنشور يحمي المصنع أيضاً. إذا كانت الوحدات المُصلحة تعمل فعلاً ضمن الحدود المسموح بها، فإن لوحة بيانات علنية لتركيزات المداخن وجودة الهواء في شط السلام ستكون أقوى دفاع ممكن أمام الرأي العام وأمام أي محكمة. أما الصمت، فيترك المجال كله للشك.
وخذ مثالاً قول الرئيس في أغسطس إن الوحدات الملوثة لن تُشغَّل، وإن العمل سيقتصر على الوحدات التي أُصلحت. هذا التزام مهم، لكن كيف يتحقق منه المواطن في شط السلام؟ ما الذي يميز وحدة “مُصلحة” من وحدة “ملوثة” إن لم يكن رقماً مقيساً لتركيز الانبعاثات منها، يُقارن بحد مسموح معلن؟ من دون هذا الرقم، يبقى الالتزام وعداً يصعب اختباره، وتعود كل ليلة خانقة لتهدم ما بنته التصريحات من ثقة.
لذلك أرى أن أي حل لقابس، سواء كان إصلاح الوحدات أو تفكيكها كما يطالب السكان، يجب أن يبدأ بخطوة واحدة غير قابلة للتفاوض: رصد مستقل ومستمر ومنشور للحظة، تديره جهة لا يتبع لها المجمع، وتُفتح بياناته للجامعات والمجتمع المدني.
وهذا ليس شأناً تونسياً فقط. صناعة الفوسفات والأسمدة حاضرة في أكثر من بلد عربي، وكثير من مجمعاتها قريب من مدن وشواطئ. المهندس الذي يعمل في هذه الصناعة سيُسأل يوماً: كيف تعرف أن مصنعك لا يؤذي جيرانه؟ والإجابة الوحيدة المقنعة هي البيانات.
دروس عملية للمهندس
- صمم القياس مع العملية لا بعدها. نقاط أخذ العينات وأجهزة الرصد المستمر جزء من تصميم المصنع.
- افصل الرقيب عن المرَاقَب. بيانات يقيسها المشغل وحده لن تقنع أحداً في لحظة أزمة.
- انشر لتحمي. الشفافية في الانبعاثات تبني الثقة قبل أن تحتاج إليها.
- الصيانة قرار بيئي. تراجع كفاءة أجهزة غسل الغازات يعني انبعاثات أعلى حتى لو لم يتغير الإنتاج.
المصادر
- Business News، “Gabès : d’importantes émanations signalées, une nouvelle nuit d’angoisse et de colère à Chatt Essalem” (11 أكتوبر 2026)
- أنباء تونس، “قابس: غدا إصدار الحكم في القضية المرفوعة من المجمع الكيميائي في حق النشطاء” (13 أكتوبر 2026)
- Business News، “Procès des militants écologistes à Gabès : le délibéré prolongé, la colère ne retombe pas” (14 أكتوبر 2026)
- allAfrica (بالفرنسية)، “GCT de Gabès – Rejet de la demande d’arrêt des unités polluantes” (26 فبراير 2026)
- عربي21، “سعيّد يزور قابس ويؤكد عدم تشغيل الوحدات الملوثة بالمجمع الكيميائي” (11 أغسطس 2026)

