“مليحة 2” يبدأ التشغيل في الصحراء الغربية: محطة غاز بسعة 100 مليون قدم مكعبة يومياً وصلت بعد موعد الصيف، فماذا تعني السعة التصميمية فعلاً؟
ما الذي حدث؟
يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 أعلنت شركة إيني الإيطالية بدء أنشطة التشغيل (start-up activities) في مشروع المرحلة الثانية من مليحة (Meleiha Phase 2) داخل امتياز “مليحة المدمج” في الصحراء الغربية. ينفذ المشروع شركة عجيبة للبترول، وهي شركة مشتركة بين إيني والهيئة المصرية العامة للبترول. ونقلت رويترز البيان في اليوم نفسه، كما نشرته “باور نيوز” و”أموال الغد” مع تصريحات لوزارة البترول والثروة المعدنية قالت فيها إن المحطة توسع قدرة معالجة غاز الحقول المحيطة وتزيد المتاح من الغاز في السوق المحلية.
وتصف إيني المشروع بأنه “مركز غاز جديد” (gas hub)، أي نقطة تجميع ومعالجة تخدم عدة حقول في المنطقة، لا محطة لحقل واحد.
الأرقام
- السعة التصميمية القصوى: حتى 100 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، أي نحو 2.8 مليون متر مكعب يومياً.
- المكونات: آبار تنمية، وشبكات تجميع، وخطوط نقل رئيسية، وخط تصدير غاز مخصص يربط الإنتاج الجديد بالشبكة القومية.
- الإنتاج المتوقع: قال رئيس عجيبة عبد السلام المنزلاوي في أبريل 2026 إن المرحلة الثانية ترفع سعة محطة مليحة إلى 100 مليون قدم مكعبة يومياً، أي أكثر من ثلاثة أمثال المرحلة الأولى، وإن إنتاج المحطة الإجمالي متوقع أن يبلغ نحو 125 مليون قدم مكعبة يومياً في العام المالي 2026/2027 مقابل نحو 55 مليوناً آنذاك.
- نسبة الإنجاز في أبريل: 79%.
- الموعد المطلوب: وجّه وزير البترول كريم بدوي في أبريل بتسريع المشروع ليدخل الخدمة قبل 30 يونيو، أي قبل ذروة الطلب الصيفي.
- إيني في مصر: تعمل منذ 1954، وبلغ إنتاجها من حصتها نحو 242 ألف برميل مكافئ يومياً في 2025.
- خلفية جيولوجية: أعلنت إيني في أكتوبر 2021 اكتشافات في امتيازي مليحة وجنوب غرب مليحة بموارد تقدر بنحو 50 مليون برميل مكافئ في المكان، بحسب رويترز.
ولم يُعلن البيان تكلفة المشروع ولا الكمية التي ستضاف فعلياً إلى الإنتاج القومي ولا موعد الوصول إلى السعة الكاملة.
الفكرة الهندسية: ماذا يوجد داخل “مركز الغاز”؟
الغاز الخارج من آبار الصحراء الغربية لا يصلح للضخ في الشبكة القومية كما هو. فهو يخرج مختلطاً بالمكثفات والماء، وأحياناً بغازات حمضية، وبضغط يتراجع مع عمر البئر. ولذلك يمر عادة في محطة المعالجة البرية بسلسلة مراحل:
- الفصل: أوعية تفصل الغاز عن السوائل الهيدروكربونية والماء.
- التجفيف: نزع الرطوبة، وغالباً بوحدات جلايكول، حتى لا تتكون الهيدرات أو يتآكل الخط.
- ضبط نقطة الندى: تبريد الغاز لإسقاط المكونات الثقيلة، فلا تتكثف داخل خطوط الشبكة.
- الضغط: ضواغط ترفع الضغط إلى مستوى خط التصدير والشبكة.
- القياس: محطة عدادات تحدد الكمية والمواصفات التي تُسلَّم للشبكة.
هذه هي الصورة العامة لأي محطة من هذا النوع، والبيان لم ينشر تفاصيل تصميم مليحة 2. لكن الصورة تكفي لفهم معنى “100 مليون قدم مكعبة”: إنها قدرة هذه السلسلة على المعالجة، بشرط أن تصلها كمية كافية من الآبار وشبكات التجميع.
كم كهرباء يعني ذلك؟
تقدير تقريبي بافتراضات منا: 100 مليون قدم مكعبة يومياً تحمل نحو 104 آلاف مليون وحدة حرارية بريطانية يومياً. وفي محطة دورة مركبة بكفاءة نحو 55% يكفي ذلك لتوليد قرابة 700 ميجاوات على مدار الساعة. وفي محطات أقدم بكفاءة نحو 40% يهبط الرقم إلى قرابة 500 ميجاوات. هذا سقف نظري عند التشغيل بالسعة الكاملة، لا وعداً بالإنتاج.
رأي: الموعد فاته الصيف، والعبرة بالرقم المسلَّم
أرى في القصة أمرين يستحقان الانتباه.
الأول أن المشروع وصل متأخراً عن الهدف الذي حددته الوزارة. الهدف كان قبل 30 يونيو لدعم ذروة الصيف، والتشغيل بدأ في 20 أكتوبر، أي بعد انقضاء الذروة بنحو أربعة أشهر. تأخير كهذا في مشروع كان منجزاً بنسبة 79% في أبريل ليس غريباً، فالمرحلة الأخيرة من مشروعات المعالجة، أي الربط والاختبار والتشغيل التجريبي، هي الأصعب عادة. لكن الدرس واضح: حين يُربط مشروع غاز بموسم طلب محدد، يجب أن يُحسب الجدول من الخلف بدءاً من موعد الضخ الفعلي لا من موعد اكتمال الإنشاء.
الثاني أن “بدء أنشطة التشغيل” ليس “الوصول إلى 100 مليون قدم مكعبة”. فالمحطة تصعد تدريجياً، والإنتاج الحقيقي تحدده الآبار. وأرقام عجيبة نفسها في أبريل تتوقع إنتاجاً إجمالياً نحو 125 مليون قدم مكعبة في العام المالي القادم، وهو رقم يشمل المرحلتين معاً. ولذلك أدعو إلى أن تنشر الوزارة والشركة بعد أسابيع رقم الإنتاج المسلَّم للشبكة فعلياً، لأن هذا هو الرقم الذي يهم محطات الكهرباء وفاتورة الاستيراد.
ومع ذلك أرى فكرة “المركز” صحيحة هندسياً. فالصحراء الغربية مليئة بحقول صغيرة لا يبرر أي منها وحده محطة معالجة وخط تصدير. وحين تُجمع في مركز واحد، يصبح ربط بئر جديدة مجرد خط تجميع قصير إلى محطة قائمة، وهذا ما تسميه إيني “التسييل السريع للموارد”.
دروس عملية للمهندس
- صمم المركز لا المحطة. في مناطق الحقول الصغيرة، مركز معالجة واحد بسعة احتياطية يختصر سنوات من تطوير كل حقل على حدة.
- اجعل الجدول يبدأ من موعد الضخ. إن كان الهدف ذروة الصيف، فالتشغيل التجريبي يجب أن ينتهي قبلها بهامش واضح.
- ميّز بين ثلاثة أرقام: السعة التصميمية، والإنتاج الأولي، والإنتاج المستقر. الخلط بينها يربك التخطيط.
- صمم الضواغط لنطاق واسع. ضغط الآبار يتراجع مع الزمن، والضاغط المصمم لنقطة واحدة يفقد كفاءته سريعاً.
- حوّل الغاز إلى ميجاوات. هذا يساعد صانع القرار على مقارنة مشروع الغاز بمحطة كهرباء أو بشحنة غاز مسال.
المصادر
- Reuters عبر TradingView، “Eni launches phase 2 of Egypt gas project” (20 أكتوبر 2026)
- World Oil، “Eni advances Meleiha Phase 2 gas development in Egypt’s Western Desert” (20 أكتوبر 2026)
- أموال الغد (Amwal Al Ghad)، “Eni starts up second phase of Egypt’s Meleiha gas project” (20 أكتوبر 2026)
- باور نيوز، “تشغيل محطة مليحة بالصحراء الغربية في مرحلتها الثانية” (20 أكتوبر 2026)
- Zawia3، “Eni Starts Meleiha 2 Gas Project in Egypt” (20 أكتوبر 2026)
- أموال الغد (Amwal Al Ghad)، “Egypt fast-tracks Meleiha gas project ahead of 30 June deadline before summer peak” (19 أبريل 2026)

