8.7 ثانية من الكهرباء على عمق 1500 متر: شركة ناشئة تحفر أول بئر حرارية أرضية تحت البحر عند بركان “أكسيال”، فماذا أثبتت التجربة وماذا لم تثبت؟
ما الذي حدث؟
في 19 أكتوبر 2026 نشرت Endurance Energy، وهي شركة ناشئة من سياتل تأسست في يناير 2025، بياناً عن حملة استمرت نحو ثلاثة أسابيع عند بركان “أكسيال” (Axial Seamount)، وهو بركان نشط تحت الماء على حيد “خوان دي فوكا”، على بعد نحو 300 ميل من ساحل أوريغون. وتناقلت الخبر ThinkGeoEnergy في اليوم نفسه، ثم World Oil وInteresting Engineering في 20 أكتوبر.
خلال الحملة نفذت الشركة ثلاث خطوات: حفر بئر في قاع البحر بجهاز حفر يهبط إلى القاع، وإنزال محطة توليد صغيرة اسمها “أديلي” (Adélie) بجوارها، وتشغيل المحطة عن بعد من سياتل عبر شبكة ألياف ضوئية بحرية تملكها مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية وتشغلها جامعة واشنطن. وفي 27 سبتمبر أنتجت المحطة صافي كهرباء موجباً لأول مرة.
الأرقام
- العمق: نحو 1500 متر (5000 قدم).
- البئر: ثقبان متقاربان، والثاني بُطّن بأنبوب تغليف وثُبّت بالإسمنت وزُوّد بصمام، بعمق 16 متراً تحت القاع، وتدفق منه ماء بحرارة 260 درجة مئوية.
- مصدر التشغيل الفعلي: فتحة حرارية مائية طبيعية قريبة بحرارة نحو 281 درجة، لأن تدفق البئر الجديدة كان أضعف من أن يشغّل المحطة.
- المحطة: وزنها ثلاثة أطنان، مصنوعة من التيتانيوم، بحجم يقارب سيارة ركاب، وبلغت سرعة توربينها نحو 26 ألف دورة في الدقيقة.
- الإنتاج: صافي وسيط نحو 2 كيلوواط، وذروة 16.5 كيلوواط، لمدة 8.7 ثانية.
- الأعطال: أوقفت حماية التيار الزائد في البطارية التشغيل، ثم تعطل كابل تغذية مضخة سائل التبريد عند محاولة إعادة التشغيل بعد نحو عشر دقائق، فانتهت الغطسة.
- الخطوات التالية: نسخة مطورة اسمها “جنتو” هذا الشتاء، وجهاز حفر يصل إلى 80 متراً، ومولد تجاري بقدرة 2 ميجاوات اسمه “ليوبارد” قيد التطوير، ومشروع أول في تونغا يستهدف أول كهرباء في 2027.
- التمويل: 63 مليون دولار إجمالاً، منها جولة 54 مليون دولار قادها Founders Fund، بحسب ThinkGeoEnergy.
الفكرة الهندسية: لماذا قاع البحر؟
في محطة حرارية أرضية تقليدية تحفر آبار بعمق كيلومترين أو ثلاثة لتصل إلى صخور ساخنة، ثم ترفع الماء أو البخار إلى السطح. أما عند حيود منتصف المحيط فالصهارة قريبة جداً من القاع، والماء الساخن يخرج وحده من الفتحات الحرارية. لذلك تكفي بئر بعمق 16 متراً لتصل إلى 260 درجة.
وهناك ميزتان فيزيائيتان مهمتان. الأولى أن الضغط على عمق 1500 متر يقارب 150 باراً، وعند هذا الضغط لا يغلي الماء قبل نحو 340 درجة، فيبقى السائل الساخن سائلاً ولا يتحول إلى بخار يصعب التحكم فيه. والثانية أن مياه القاع المحيطة باردة، قريبة من درجتين مئويتين، فيتوفر مصرف حراري هائل ومجاني بلا أبراج تبريد. والفرق بين 281 درجة ودرجتين يعطي حداً نظرياً لكفاءة التحويل (كفاءة كارنو) قرابة 50%، وإن كانت الكفاءة العملية أقل بكثير.
ويذكر بيان الشركة مضخة لسائل التبريد، ما يشير إلى دورة مغلقة يسخّن فيها الماء الحراري سائل عمل ثانوياً يدير التوربين، على غرار محطات الدورة الثنائية في اليابسة، دون أن تسمي الشركة سائل العمل. واختيار التيتانيوم مفهوم، فالماء الحراري حمضي ومحمل بالمعادن، ومياه البحر من الخارج تهاجم الفولاذ العادي.
رأي: إثبات للتسلسل، لا للطاقة
أرى أن الإنجاز الحقيقي هنا ليس 2 كيلوواط، بل أن كل حلقة في السلسلة نجحت مرة واحدة في القاع: الحفر بماء البحر المرشح بدل طين الحفر، والتغليف والتثبيت بالإسمنت، والإنزال، والتشغيل عن بعد عبر الألياف. وهذا ما قاله الرئيس التنفيذي أندرو ريد بنفسه: كل خطوة يمكن تنفيذها في العمق.
لكن يجب أن نكون صريحين في ما لم يثبت. فالمحطة لم تعمل على البئر المحفورة بل على فتحة طبيعية، أي أن السؤال الأهم، هل تعطي بئر محفورة تدفقاً كافياً ومستقراً، ما زال مفتوحاً. ومدة 8.7 ثانية لا تقول شيئاً عن الترسبات المعدنية، وقد أشارت Interesting Engineering نقلاً عن الشركة إلى مشكلات في ترسب المعادن وانتقال الحرارة. والأهم أن عطلين كهربائيين أنهيا التجربة، وفي قاع البحر لا يوجد فني يعيد ضبط قاطع. فالموثوقية، لا الكفاءة، هي العقبة الأولى.
ويبقى سؤال نقل الكهرباء: محطة على بعد مئات الكيلومترات من الساحل تحتاج كابلاً بحرياً طويلاً، وهذا وحده قد يتجاوز تكلفة المحطة. ولهذا أرى أن اختيار تونغا ذكي، فالجزر البركانية القريبة من مصادر حرارية بحرية، والمعتمدة على الديزل المستورد، هي أول سوق يمكن أن تبرر هذه التكلفة.
وللمنطقة العربية زاوية واضحة: البحر الأحمر جزء من صدع نشط فيه أحواض بحرية حارة معروفة علمياً. لا أقول إنها جاهزة للاستغلال، لكن من المفيد أن يتابع مهندسونا هذه التقنية مبكراً بدل أن نكتشفها بعد أن تصبح منتجاً جاهزاً للشراء.
دروس عملية للمهندس
- افصل بين إثبات المفهوم وإثبات الأداء. صافي موجب لثوانٍ يثبت أن الدورة تعمل، لا أن المحطة اقتصادية.
- في البيئات النائية، الحماية الكهربائية جزء من التصميم الأساسي. قاطع يفصل خطأً قد ينهي حملة كاملة.
- الضغط صديقك أحياناً. فهم منحنى التشبع للماء يفسر لماذا يبقى السائل الحراري سائلاً على العمق.
- المواد تحدد العمر. التآكل والترسب في الماء الحراري يقرران مدة خدمة المبادلات الحرارية أكثر من أي رقم كفاءة.
- احسب الربط قبل التوليد. تكلفة الكابل البحري ونقل الكهرباء قد تحدد جدوى المشروع قبل التوربين.
المصادر
- Endurance Energy، “Adélie” بيان صحفي (19 أكتوبر 2026)
- ThinkGeoEnergy، “Endurance Energy demonstrates subsea geothermal power in Pacific Ocean” (19 أكتوبر 2026)
- World Oil، “Endurance Energy drills subsea geothermal well, demonstrates net-positive power” (20 أكتوبر 2026)
- Interesting Engineering، “Underwater volcano generates 2 kW of electricity in 8.7 seconds” (20 أكتوبر 2026)

