أوروبارأي

جسر بون الشمالي: 100 ألف سيارة يومياً تبحث عن طريق آخر حتى 2028، لأن تقارير الفحص كُتبت ولم تُقرأ

ماذا حدث؟

في 25 سبتمبر 2026 نشر نادي السيارات الألماني ADAC تحديثاً عن جسر بون الشمالي (Nordbrücke) على الطريق السريع A565، أكد فيه أن الإغلاق الكامل للجسر مستمر، وأن إعادة فتحه قبل 2028 مستبعدة. وقال الخبير في النادي البروفيسور رومان زوتهولد: “لقد وقع أسوأ الاحتمالات”.

وبحسب صفحة المشروع لدى شركة الطرق السريعة الاتحادية (Autobahn GmbH)، كشفت عمليات الفحص أضراراً في البنية الفوقية لجسر الاقتراب على الضفة اليسرى تستدعي تدخلاً فورياً. وفي فبراير 2026 مُنعت الشاحنات التي يزيد وزنها على 7.5 طن، ورُكبت أجهزة لوزن المركبات أثناء سيرها، لكن ذلك لم يمنع تفاقم الضرر. وفي 3 يونيو 2026، الساعة الثالثة عصراً، أُغلق الجسر تماماً، وقالت الشركة إن الضرر أشد من أن يسمح للمنشأة بحمل المرور مجدداً.

الأرقام

  • 1967: سنة بناء الجسر، الذي يتكون من جسر اقتراب أيسر بطول نحو 660 متراً، وجسر نهري بطول نحو 520 متراً، وجسر اقتراب أيمن بطول نحو 110 أمتار.
  • 90 إلى 100 ألف مركبة يومياً كانت تعبره قبل الإغلاق.
  • 13 كتلة: بدأ هدم جسر الاقتراب في 8 أغسطس على 13 مرحلة، وحتى منتصف سبتمبر أُزيل 356 متراً من 660، والهدف إنهاؤه بين منتصف نوفمبر وأواخره.
  • سنتان كحد أقصى لبناء جسر الاقتراب الجديد، مع ترسية العقد قبل عيد الميلاد 2026، وهدف إعادة الفتح نهاية 2028.
  • حل جزئي للمشاة: تخطط الشركة لإعادة فتح الجسر النهري أمام المشاة في نوفمبر 2026، ثم الدراجات لاحقاً في العام نفسه، عبر برج منحدر جديد يتجاوز جسر الاقتراب المهدوم. أما حركة المسافات الطويلة فتُحوّل إلى جسر كونراد أديناور جنوباً وجسر رودنكيرشن في كولونيا شمالاً.
  • 50 مليون كيلومتر من التحويلات الإضافية سنوياً وأكثر من 170 مليون يورو من الأضرار الاقتصادية السنوية، بحسب محاكاة أجراها ADAC قبل عام لسيناريو إغلاق مفاجئ.

شرح مبسط: لماذا لم يكفِ منع الشاحنات؟

الشاحنة الثقيلة لا تضيف إلى الجسر حملاً كبيراً فقط، بل تضيف تكراراً. كل مرور يحدث دورة إجهاد صغيرة في الخرسانة والحديد، وملايين الدورات على مدى عقود تفتح الشقوق وتسمح للماء وأملاح إذابة الجليد بالوصول إلى الحديد. منع الشاحنات يبطئ هذا التراكم، لكنه لا يعيد للمنشأة ما فقدته من مقاومة. هو أشبه بتخفيف الحمل عن مريض، لا بعلاجه.

ولهذا رفضت الشركة أيضاً فكرة الجسر المؤقت: كان بناؤه سيستغرق نحو عام، بحارات ضيقة، ويحتاج إلى استبدال بعد نحو ست سنوات. واختارت بدلاً من ذلك مناقصة “وظيفية” تجمع التصميم والتنفيذ في عقد واحد، وتجعل سرعة الإنجاز معياراً رئيسياً في التقييم. والجسر الجديد سيكون بأربع حارات، ومصمماً بحيث يمكن ربطه لاحقاً بجسر نهري جديد من أربع أو ست حارات.

رأي: المشكلة ليست في الفحص، بل فيما بعد الفحص

أكثر ما لفتني في قصة بون ليس الهدم، بل ما قاله الخبراء قبله. في تقرير لقناة ZDF في يوليو 2026، قال خبير الجسور هاينريش بوكامب: “ببساطة، لم نهتم”. وأوضح أن المشكلة معروفة منذ عقود، وأن بيانات الفحص كانت تُجمع لكن نادراً ما يُعمل بها. وقال توماس رادرماخر، رئيس غرفة الحرف في كولونيا، إن تدهور الجسر معروف منذ 2007، وإن الإجراءات اللازمة تُركت 15 عاماً.

هذا هو الدرس الحقيقي في رأيي. ألمانيا ليست دولة بلا مهندسين ولا بلا أنظمة فحص. لديها سجلات وتقارير ودرجات حالة لكل جسر. ومع ذلك وصل جسر يحمل 100 ألف سيارة يومياً إلى الإغلاق الكامل، لأن التقرير الذي يقول “هذا الجسر يحتاج استبدالاً” لم يتحول في وقته إلى ميزانية وقرار ومناقصة.

وأظن أن مدننا العربية ليست بعيدة عن هذا الخطر. كثير من جسورنا وكباري مدننا بُنيت في موجات بناء متتالية خلال العقود الماضية، وبعضها يقترب من العمر الذي بلغه جسر بون عند تدهوره. والسؤال ليس “هل نفحصها؟”، بل “ماذا نفعل بنتيجة الفحص؟”. هل توجد قاعدة ملزمة تقول إن الجسر الذي يحصل على درجة حالة معينة يجب أن تُرصد له ميزانية إصلاح أو استبدال خلال مدة محددة؟ أم يبقى التقرير في الدرج حتى يأتي اليوم الذي يُغلق فيه الجسر فجأة؟

وفي القصة أيضاً درس إيجابي. حين وقعت الأزمة، تحركت السلطات بسرعة لافتة: ترسية عقد الهدم بعد خمسة أسابيع من الإغلاق، وطرح مناقصة البديل بعد سبعة أسابيع، ودمج التصميم والتنفيذ لتوفير الوقت، ورفض حل مؤقت يبدو سريعاً لكنه يهدر المال. هذه السرعة جيدة، لكنها لو جاءت قبل عشر سنوات لوفرت على المدينة سنتين ونصفاً من الاختناق.

دروس عملية للمهندس

  1. اربط درجة الحالة بقرار. تقرير الفحص بلا مهلة إلزامية للتدخل وثيقة لا قيمة لها.
  2. القيود المرورية مسكّن لا علاج. منع الشاحنات يشتري وقتاً، فاستخدم هذا الوقت لتجهيز البديل.
  3. احسب كلفة الإغلاق مسبقاً. رقم مثل 170 مليون يورو سنوياً يجعل ميزانية الاستبدال المبكر تبدو رخيصة.
  4. صمم البديل للمستقبل. الجسر الجديد في بون يُصمم ليتصل بجسر نهري أوسع لاحقاً.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية