قرد وسياج مطفأ ومرحّل لم يعمل: خمسة متهمين في إظلام باتام، لكن السؤال الأهم لم يُطرح بعد
ماذا حدث؟
صباح الاثنين 12 أكتوبر 2026 انقطعت الكهرباء عن باتام وبينتان في أرخبيل رياو الإندونيسي. استمر الانقطاع نحو 16 ساعة، وأصاب أكثر من 411 ألف مشترك، وعطّل إمدادات المياه والاتصالات في منطقة تجارة حرة يسكنها نحو 1.3 مليون نسمة وتستضيف مشروعات كبيرة لمراكز البيانات، بحسب بلومبرغ عبر صحيفة The Star الماليزية. وبعد أيام استُبدل الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء الحكومية PLN، ونُقلت الشركة التابعة في باتام إلى الإشراف المباشر لصندوق الثروة السيادي “دانانتارا”. وحتى 17 أكتوبر كانت أحياء في باتام ما تزال تشهد انقطاعات متكررة، بحسب The Jakarta Post.
ثم جاء إعلان 20 أكتوبر. قال العميد محمد إرهامني، مدير الجرائم الخاصة في Bareskrim، إن المتهمين الأربعة من PLN Batam لم يضمنوا تأمين محيط محطة التحويل، فوصلت الحيوانات البرية إلى المعدات ذات الجهد العالي. والمتهمون، بحسب Liputan6، هم مدير PLN Batam ومساعده، وعضو في فريق صيانة أنظمة الحماية، وقائد فريق السلامة والصحة المهنية والبيئة، إضافة إلى مقاول مسؤول عن التأمين المادي للمحطة، وخصوصاً السياج. وقال إرهامني: “في وقت الحادث كان السياج الذي يجب أن يكون مكهرباً في حالة إطفاء”.
الأرقام والوقائع الفنية
- محطة سي هارابان (GI Sei Harapan)، المحول رقم 1: وُجد قرد نافق في الموقع، وطابقت نتائج المختبر الجنائي شعراً عُثر عليه على أنبوب مرحّل “بوخهولز” مع القرد، بحسب وكالة أنتارا.
- قصر كهربائي بين جانب 150 ك.ف وجانب 20 ك.ف للمحول، مع آثار احتراق في الجزء العلوي منه.
- مرحّل الإغلاق والفصل (Tripping Lockout) لم يعمل بكامل قدرته، فاستمر العطل حتى انفصلت محطة التوليد عن الشبكة، فانهارت المنظومة.
- 25 شاهداً استُجوبوا، وفُحصت ألواح القضبان العمومية وقطع من الموصلات وجهاز الفصل وأنبوب بوخهولز وكاميرات المراقبة.
- 57.3 مليار روبية تقدير المحققين للخسائر. تسميها أنتارا “خسائر للدولة”، ويصفها موقع Batam News Asia بأنها تقدير أولي للتعويضات المستحقة للمشتركين.
- التهم: المادة 319 من القانون الجنائي الجديد (القانون رقم 1 لسنة 2023) والمادة 51 فقرة 1 من قانون الكهرباء. ولم تبت أي محكمة في المسؤولية بعد.
شرح مبسط: من القرد إلى الظلام الشامل
المحول في محطة التحويل محاط بطبقات من الحماية. أولها حماية مادية: سياج، وأحياناً سياج مكهرب أو أغطية عازلة على العوازل والوصلات المكشوفة لمنع الطيور والقرود والقوارض من لمسها. فإذا لمس حيوان نقطتين بينهما فرق جهد حدث قصر، وارتفع التيار في أجزاء من الثانية.
بعدها تأتي حماية كهربائية. مرحّلات الحماية التفاضلية ومرحّل بوخهولز (الذي يرصد الغاز والاندفاع المفاجئ للزيت داخل المحول) ترسل أمر فصل إلى “مرحّل الإغلاق”. وظيفة هذا المرحّل بسيطة وحاسمة: يفتح القواطع على جانبي المحول معاً، ثم يمنع إعادة توصيلها حتى يتدخل إنسان. إذا عمل كما ينبغي، يخرج المحول المعطوب من الخدمة وتبقى بقية الشبكة قائمة.
لكن الشبكات المصممة جيداً لا تراهن على مرحّل واحد. هناك عادة حماية من فشل القاطع، تفصل القواطع المجاورة إذا لم يفتح القاطع الأصلي، وهناك حمايات احتياطية على الخطوط والمولدات تعمل بعد تأخير قصير، وهناك برامج لفصل الأحمال آلياً عند انخفاض التردد حتى لا تنهار الشبكة كلها. ورواية الشرطة أن العطل “استمر حتى انفصلت محطة التوليد” تعني أن هذه الطبقات اللاحقة إما لم توجد، وإما لم تعمل، وإما عملت ببطء لا يناسب شبكة جزيرة صغيرة ليس لها جار تستند إليه. ولهذا سأل إرهامني نفسه، بحسب أنتارا الإنجليزية: “لماذا أثر هذا القصر في باتام كلها؟ كان يجب أن يمنع القاطع ذلك”.
رأي: الظلام لا يحتاج إلى متهم واحد
لا أدافع عن سياج مطفأ ولا عن مرحّل لم يُختبر. إذا ثبت أن السياج أُطفئ عمداً أو بإهمال، وأن جهاز الفصل لم يخضع لاختبار دوري، فهذه أخطاء صيانة يجب أن يُحاسب عليها أصحابها. لكن قراءة الوقائع المعلنة تقول شيئاً أوسع من خمسة أسماء بالأحرف الأولى.
القرد هو “الحدث البادئ”، وهو حدث متوقع في أي محطة تحويل في منطقة استوائية. والسياج المكهرب طبقة واحدة. ومرحّل الإغلاق طبقة ثانية. أما تحول عطل في محول واحد إلى إظلام لـ411 ألف مشترك مدة 16 ساعة، فهذا سؤال عن تصميم الشبكة وتنسيق الحماية وخطط فصل الأحمال وخطة إعادة التشغيل من الصفر. وهذه قرارات تُتخذ في مكاتب التخطيط والتشغيل، لا عند بوابة المحطة. ولم يتهم أحد حتى الآن من صمم منظومة لا تتحمل فشل عنصر واحد.
والخطر في البدء بالمسار الجنائي أنه يغيّر سلوك المهندسين في كل الشركة. المهندس الذي يرى زميله متهماً بسبب جهاز لم يعمل سيتردد في الإبلاغ عن جهاز مشكوك فيه، وسيكتب تقارير أقل صراحة، وسيحرص على حماية نفسه أكثر من حماية الشبكة. وهذا عكس ما نحتاجه بعد حادث كهذا. الطيران تعلم هذا الدرس قبل عقود، ففصل التحقيق الفني الذي يبحث عن الأسباب عن التحقيق القضائي الذي يبحث عن المذنبين.
رأيي أن إندونيسيا، وكل دولة عربية تدير شبكات معزولة على جزر أو في مدن نائية، تحتاج إلى قاعدة بسيطة: لا يُعلن متهمون في انهيار شبكة قبل أن تنشر جهة فنية مستقلة تقريراً يشرح تسلسل الأحداث بالمللي ثانية، من لحظة القصر حتى انفصال آخر مولد. بعدها تُحاسب الإدارة والأفراد بحسب ما يثبته التقرير. أما العكس فيعطينا متهمين ولا يعطينا شبكة أقوى.
دروس عملية للمهندس
- اختبر مرحّل الإغلاق ودوائر الفصل دورياً. المرحّل الذي لا يُختبر إلا يوم العطل قد لا يعمل يومها. وثّق كل اختبار، فالسجل يحمي الشبكة ويحميك.
- لا تجعل الحماية تعتمد على عنصر واحد. راجع حماية فشل القاطع والحمايات الاحتياطية وأزمنتها، خصوصاً في الشبكات الصغيرة المعزولة.
- صمم فصل الأحمال قبل أن تحتاجه. برنامج فصل آلي عند انخفاض التردد قد يحول إظلاماً شاملاً إلى انقطاع جزئي.
- عامل الحيوانات خطراً تصميمياً لا حادثاً عارضاً. الأغطية العازلة على الوصلات المكشوفة أرخص من أي سياج مكهرب، ولا تحتاج إلى من يتذكر تشغيلها.
- اكتب ما تراه بصراحة. التقرير الفني الصريح قبل الحادث هو أقوى دفاع للمهندس بعده.
المصادر
- أنتارا (بالإندونيسية)، “Bareskrim tetapkan lima tersangka kasus blackout di Pulau Batam-Bintan” (20 أكتوبر 2026)
- Liputan6، “Terungkap Peran Lima Tersangka Blackout Batam” (20 أكتوبر 2026)
- Antara News، “Batam-Bintan blackout: Police probe possible negligence, sabotage” (20 أكتوبر 2026)
- Batam News Asia، “Batam-Bintan Blackout Investigation: Five Named Suspects Over Alleged Electrical Safety Failures” (21 أكتوبر 2026)
- The Star عن بلومبرغ، “Indonesia replaces state electricity chief after 16-hour blackout in Batam” (15 أكتوبر 2026)
- The Jakarta Post، “More blackouts in Batam as local media face intimidation” (18 أكتوبر 2026)

