1.9 مليون متر مكعب يومياً من البحر: مصر تطرح محطتي تحلية بورسعيد والسويس بالشراكة مع القطاع الخاص، فمن يدفع ثمن الكهرباء ومن يتحمل المحلول الملحي؟
ما الذي حدث؟
ترأس رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يوم الأحد 25 أكتوبر 2026 اجتماع اللجنة العليا لشئون المشاركة مع القطاع الخاص، بحسب الوطن وفيتو وبوابة بلوم وإيكونومي تريند، وجميعها نشرت الخبر بعد ظهر اليوم نفسه. وعرض عاطف حنورة، مستشار وزير المالية لمشروعات المشاركة، نتائج اللجنة المشتركة التي تضم وزارات المالية والتخطيط والإسكان والنقل والتنمية المحلية.
وشملت القرارات، بحسب المصادر نفسها:
- محطة تحلية مركزية في بورسعيد: 900 ألف متر مكعب يومياً، تخدم محافظة بورسعيد وعدداً من مناطق الإسماعيلية.
- محطة تحلية في السويس: مليون متر مكعب يومياً على مرحلتين، تخدم السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الجديدة والمناطق المجاورة، على أن تخدم توسعات المرحلة الثانية العاصمة الجديدة.
- برنامج من أربع محطات لمعالجة الصرف الصناعي: العامرية بالإسكندرية (20 ألف متر مكعب يومياً في المتوسط)، وأبو رواش بالجيزة (20 ألفاً في المرحلة الأولى)، ووادي النطرون بالبحيرة (15 ألفاً)، والرسوة جنوب بورسعيد (35 ألفاً في المرحلة الأولى).
- حق تشغيل محطة محولات حدائق العاصمة وخطوط الربط وشبكات الكهرباء المرتبطة بها.
وتخضع هذه المشروعات للقانون رقم 67 لسنة 2010 بشأن مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية، الذي يشترط عودة كل مشروع إلى اللجنة العليا قبل طرحه. وربطت المصادر محطتي التحلية بـ”الخطة الاستراتيجية لتحلية مياه البحر 2020/2050”. ولم يعلن الاجتماع أي تكلفة استثمارية أو جدول زمني أو مدة تعاقد.
حجم الرقم
- مجموع المحطتين: 900 ألف + مليون = 1.9 مليون متر مكعب يومياً.
- مقارنة بالبرنامج الوطني: أعلن صندوق مصر السيادي في مايو 2023، بحسب رويترز، تأهيل 17 تحالفاً لبرنامج تحلية مرحلته الأولى 3.35 مليون متر مكعب يومياً، وإجماليه 8.85 مليون متر مكعب يومياً بحلول 2050، على أن تعمل المحطات بالطاقة المتجددة. المحطتان الجديدتان وحدهما تعادلان نحو 57% من المرحلة الأولى ونحو 21% من هدف 2050.
- مقارنة محلية: سلّم تحالف ماتيتو وأوراسكوم في يونيو 2021 محطة تحلية شرق بورسعيد بسعة 150 ألف متر مكعب، بتكلفة 130 مليون دولار، لخدمة نحو مليون نسمة، بحسب جريدة المال. المحطة المركزية الجديدة أكبر منها ست مرات.
- الصرف الصناعي: مجموع المحطات الأربع 90 ألف متر مكعب يومياً، أي أقل من 5% من سعة محطتي التحلية، لكنها مشروعات من نوع مختلف تماماً، كما نشرح أدناه.
كيف تعمل محطة تحلية بهذا الحجم؟
التقنية السائدة في محطات مصر الحديثة هي التناضح العكسي لمياه البحر. ومحطة شرق بورسعيد مثال قريب: مياه البحر تمر أولاً بوحدة تعويم بالهواء المذاب لإزالة المواد العالقة والطحالب، ثم بالترشيح الفائق، قبل أن تصل إلى أغشية التناضح العكسي، بحسب جريدة المال.
ويمكن تقسيم المحطة إلى أربع حلقات، لكل منها مشكلتها الهندسية:
المأخذ. محطة بسعة مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً تسحب من البحر أكثر من ضعف هذا الحجم تقريباً، لأن جزءاً كبيراً من الماء المسحوب يعود محلولاً ملحياً. تصميم المأخذ يحدد جودة المياه الداخلة، ومن ثم عمر الأغشية وتكلفة المعالجة الأولية.
المعالجة الأولية. هنا تُحسم معركة انسداد الأغشية. مياه البحر قرب الموانئ والمجاري الملاحية، كما في بورسعيد والسويس، قد تحمل زيوتاً وعوالق وطحالب موسمية، وأي ضعف في هذه المرحلة يظهر لاحقاً في كثرة غسيل الأغشية واستبدالها.
الضغط العالي. قلب المحطة مضخات ترفع ضغط الماء ليتغلب على الضغط الأسموزي لمياه البحر، وهي البند الأكبر في استهلاك الكهرباء. ولذلك تُركب أجهزة استرجاع الطاقة التي تستعيد ضغط المحلول الملحي الخارج.
التصريف. المحلول الملحي أكثر ملوحة وكثافة من مياه البحر، فيغوص ويتجمع إن لم يُصرف بناشرات مصممة جيداً. وهنا يختلف الموقعان: بورسعيد تطل على البحر المتوسط المفتوح، أما السويس فتقع في رأس خليج ضيق شبه مغلق، والتخفيف فيه أصعب.
رأي: الطرح هو الجزء السهل
نرى أن القرار في اتجاهه الصحيح. فمدن القناة تقع في نهاية شبكة مياه النيل، وتحلية مياه البحر بجوارها تخفف الضغط على الترع وتمنح المنطقة الاقتصادية مصدراً مستقلاً. والشراكة مع القطاع الخاص تنقل عبء التمويل والتشغيل إلى من يملك الخبرة.
لكن ثلاثة أسئلة لم يجب عنها الاجتماع، وهي التي ستحدد نجاح المشروعين:
أولاً: من يشتري الماء وبأي سعر؟ المستثمر في محطة بهذا الحجم لا يبيع الماء للمواطن مباشرة، بل لجهة حكومية بعقد طويل. وجدوى المشروع كلها معلقة بسعر المتر المكعب وضمانات السداد، وبالعملة التي يُحسب بها. ولم يُعلن شيء من ذلك.
ثانياً: من أين تأتي الكهرباء؟ برنامج 2023 اشترط الطاقة المتجددة. ومحطتان بهذا الحجم تعنيان حملاً كهربائياً ثابتاً على مدار الساعة، فإذا لم يُبنَ مصدر الطاقة مع المحطة صار الماء المحلى عبئاً جديداً على شبكة تعاني أصلاً في الصيف.
ثالثاً: المحلول الملحي في خليج السويس. مليون متر مكعب من الماء العذب يومياً يعني كمية أكبر من المحلول الملحي تُصرف في خليج ضيق. ونرى أن دراسة انتشار المحلول يجب أن تكون شرطاً في كراسة الطرح، لا ملحقاً يُطلب من المستثمر بعد الترسية.
وأخيراً، المرحلة الثانية من محطة السويس مخصصة للعاصمة الجديدة. وهذا يعني أن جزءاً مهماً من التكلفة لن يكون في المحطة، بل في خطوط النقل ومحطات الرفع التي ستحمل الماء غرباً عبر الصحراء. ومشروع التحلية الذي يُقيَّم بسعره عند بوابة المحطة وحدها يخفي نصف الحقيقة.
دروس عملية للمهندس
- قيّم المحطة بتكلفة المتر المكعب المسلَّم. السعة اليومية رقم إعلامي، أما الرقم الهندسي فهو تكلفة الماء عند المستهلك شاملة الطاقة والنقل.
- ابدأ من المأخذ. جودة مياه البحر في الموقع تحدد تصميم المعالجة الأولية، ومعها عمر الأغشية لسنوات.
- صمم التصريف قبل المحطة. نمذجة انتشار المحلول الملحي في البحر المستقبِل يجب أن تسبق اختيار الموقع النهائي.
- اربط المحطة بمصدر طاقتها. محطة التحلية بلا خطة كهرباء واضحة مشروع ناقص.
- الصرف الصناعي تحدٍّ مختلف. مياه المناطق الصناعية متقلبة التركيب، فتحتاج إلى قياس مستمر عند المصدر قبل أي تصميم.
المصادر
- الوطن، “رئيس الوزراء يترأس اجتماع «اللجنة العليا للمشاركة» ويقر عدداً من المشروعات مع القطاع الخاص” (25 أكتوبر 2026)
- فيتو، “الحكومة تفتح الباب للقطاع الخاص، شراكة بمليارات الجنيهات في المياه والكهرباء والتموين” (25 أكتوبر 2026)
- بوابة بلوم، “مصر تطرح 11 مشروع بنية تحتية بالشراكة مع القطاع الخاص” (25 أكتوبر 2026)
- إيكونومي تريند، “الحكومة توافق على 10 مشروعات للشراكة مع القطاع الخاص تشمل المياه والكهرباء والصناعة” (25 أكتوبر 2026)
- رويترز عبر Kitco، “Egypt prequalifies 17 consortia for its water desalination program” (1 مايو 2023)
- جريدة المال، “«ماتيتو» تنتهي من مشروع تحلية مياه شرق بورسعيد لخدمة مليون مواطن” (6 يونيو 2021)

