بئر “نرجس 2” تتجاوز 5 آلاف متر وتؤكد امتداد الغاز: لماذا تكون بئر التقييم أهم من بئر الاكتشاف في شرق المتوسط؟
ما الذي حدث؟
صباح السبت 24 أكتوبر 2026 أعلنت وزارة البترول وشيفرون، مشغّل منطقة نرجس البحرية، أن نتائج حفر البئر “نرجس 2” جاءت إيجابية. وبحسب البيان الذي نشرته باور نيوز وصحف أخرى، بلغ العمق النهائي للبئر أكثر من 5 آلاف متر، وأكدت النتائج امتداد الطبقات الحاملة للغاز التي اكتُشفت في البئر الأولى، كما كشفت طبقة إضافية ذات “خصائص مكمنية جيدة”، بسمك صافٍ للطبقات الحاملة للغاز يصل إلى 35 متراً.
وكانت أعمال الحفر قد بدأت في مايو 2026 من سفينة الحفر “ستينا فورث”، بحضور وزير البترول كريم بدوي على متنها. وشمل برنامج البئر هدفين: تقييم امتدادات الكشف، واختبار طبقات أعمق ضمن التكوينات ذات الضغوط ودرجات الحرارة المرتفعة.
الأرقام
- العمق النهائي: أكثر من 5000 متر.
- السمك الصافي للغاز: حتى 35 متراً في “نرجس 2”.
- البئر الأولى (2022): 61 متراً صافياً من الحجر الرملي الحامل للغاز ضمن طبقة إجمالية سمكها 140 متراً، بحسب منصة الطاقة.
- الموقع: حوض شرق دلتا النيل، على بعد 50 إلى 60 كيلومتراً شمال سيناء.
- التقديرات الأولية المتداولة قبل البئر الجديدة: 3 إلى 4 تريليونات قدم مكعبة احتياطيات محتملة، وهي غير مؤكدة.
- الشركاء: شيفرون 45% (المشغل)، وإيني عبر “إيوك” 30%، ومبادلة للطاقة 15%، وثروة للبترول 10%، مع مشاركة الشركة القابضة للغازات (إيجاس).
- السياق المصري: أنتجت مصر 3.63 مليار قدم مكعبة يومياً في أغسطس 2026 بتراجع 10.6% عن العام السابق، بينما بلغ الاستهلاك 7.03 مليار قدم مكعبة يومياً، وفق بيانات جودي التي حللتها منصة الطاقة.
الفكرة الهندسية: من الاكتشاف إلى التقييم
بئر الاكتشاف تجيب عن سؤال واحد: هل يوجد غاز؟ أما بئر التقييم فتجيب عن الأسئلة التي يُبنى عليها قرار الاستثمار: إلى أين يمتد المكمن أفقياً، وهل الطبقات متصلة أم مقطعة بصدوع، وما سمكها الصافي ومساميتها ونفاذيتها، وأين يقع خط التماس بين الغاز والماء.
“السمك الصافي” ليس سمك الطبقة كلها، بل مجموع الأجزاء التي تتجاوز حدوداً دنيا للمسامية ونسبة التشبع بالغاز. لذلك فإن 35 متراً صافية في بئر التقييم مقابل 61 متراً في بئر الاكتشاف لا تعني بالضرورة أن المكمن أضعف، فقد تكون البئر الثانية على طرف التركيب، وهذا تحديداً ما تُحفر من أجله: رسم حدود الحقل.
أما التكوينات عالية الضغط والحرارة (HPHT)، فيُستخدم المصطلح في الصناعة عادة للآبار التي يتجاوز ضغطها 10 آلاف رطل على البوصة المربعة وحرارتها 150 درجة مئوية. وهي تفرض تصميماً خاصاً لأنابيب التغليف، وموانع انفجار ذات تصنيف أعلى، وسوائل حفر أثقل، ومعدات إكمال تتحمل الحرارة. والبيان لم يذكر قيم الضغط أو الحرارة المقيسة.
حساب سريع: ماذا تعني 3 إلى 4 تريليونات قدم مكعبة؟
إذا ثبتت التقديرات الأولية، وأُنتجت 3 تريليونات قدم مكعبة على مدى 20 عاماً، يكون المعدل المتوسط نحو 410 ملايين قدم مكعبة يومياً، وترتفع إلى نحو 550 مليوناً عند 4 تريليونات. هذا حساب تقريبي منا لا يأخذ في الحسبان معامل الاستخلاص ولا شكل منحنى الإنتاج، لكنه يضع الرقم في سياقه: الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المصريين في أغسطس 2026 نحو 3.4 مليار قدم مكعبة يومياً. أي أن نرجس، حتى في أفضل حالاته، يغطي ما بين 12% و16% تقريباً من الفجوة الحالية.
رأي: الخبر الحقيقي يأتي بعد الاختبار
النتائج مشجعة، لكن البيان لا يحمل حتى الآن الأرقام التي تحوّل “موارد مكتشفة” إلى “احتياطيات قابلة للتطوير”: لم يُعلن عن اختبار تدفق، ولا عن ضغط المكمن، ولا عن تقدير محدّث للحجم. والكشف عمره أربع سنوات، وما زال يوصف رسمياً بأنه “غير منمى”.
في رأيي، يكمن التحدي في نرجس في القرار الهندسي لا في الجيولوجيا: هل يُطوَّر الحقل بآبار تحت سطح البحر مربوطة بمنشآت قائمة في شرق الدلتا أو قرب ساحل سيناء، أم يحتاج إلى بنية جديدة؟ الربط بمنشآت قائمة أسرع وأرخص، وهو ما تحتاجه مصر بشدة مع تراجع إنتاجها الشهري. وكل شهر يمر دون قرار استثمار نهائي هو شهر من استيراد الغاز المسال بأسعار السوق.
ويحسب للوزارة أنها تضغط منذ مايو على الشركاء لتسريع تنمية الاكتشافات غير المنماة، وأن شيفرون حفرت البئر في الموعد المعلن. المطلوب الآن جدول زمني علني لقرار التطوير.
دروس عملية للمهندس
- فرّق بين السمك الإجمالي والصافي: اسأل دائماً عن الحدود الدنيا المستخدمة للمسامية والتشبع قبل مقارنة بئرين.
- بئر التقييم أداة لرسم الحدود: نتيجة “أقل” في بئر ثانية قد تكون معلومة ثمينة عن طرف المكمن، لا خيبة أمل.
- صمم لآبار HPHT من البداية: اختيار درجة الفولاذ والإسمنت وموانع الانفجار يُحسم في مرحلة التخطيط، ويستحيل تصحيحه أثناء الحفر.
- حوّل التريليونات إلى معدلات يومية: صانع القرار يحتاج إلى ملايين القدم المكعبة يومياً وتاريخ أول غاز، لا إلى إجمالي الاحتياطي فقط.
- للمهندس المصري: الوظائف الهندسية في السنوات المقبلة ستكون في ربط الاكتشافات بالمنشآت القائمة، وتصميم الأنظمة تحت سطح البحر، وتحسين الاستخلاص من الحقول المتقادمة.
المصادر
- باور نيوز، “وزارة البترول والثروة المعدنية وشيفرون تعلنان نتائج إيجابية لبئر نرجس 2 بالبحر المتوسط” (24 أكتوبر 2026)
- الميزان، “البترول وشيفرون تعلنان نتائج إيجابية لبئر «نرجس 2» واكتشاف طبقة غاز إضافية بالمتوسط” (24 أكتوبر 2026)
- منصة الطاقة، “مؤشرات إيجابية لاكتشاف غاز جديد في مصر” (24 أكتوبر 2026)
- Daily News Egypt، “Chevron begins drilling new well at Egypt’s Narges gas field to boost production” (23 مايو 2026)
- منصة الطاقة، “إنتاج مصر من الغاز يستقر عند 3.6 مليار قدم مكعبة يوميًا” (21 أكتوبر 2026)

