الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
أوروباالطاقة

بريطانيا تعيد الموافقة على حقل “جاكداو” بعد حساب انبعاثات حرق غازه: منصة بلا طاقم وأنبوب 31 كيلومتراً، ودرس في تقييم الأثر البيئي الجديد

ما الذي حدث؟

يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 أعلنت الحكومة البريطانية الموافقة على حقل جاكداو في وسط بحر الشمال، ومنحت هيئة التحول في بحر الشمال (NSTA) شركة “أدورا” (Adura)، المشروع المشترك بين شل وإكوينور، موافقة التطوير والإنتاج. وقال الرئيس التنفيذي للهيئة ستيوارت باين إن الموافقة جاءت بعد “تدقيق صارم”، وإن كثافة انبعاثات المشروع “أقل بكثير من المتوسط البريطاني”. وتسمح الموافقة ببدء الإنتاج عند اكتمال أعمال التطوير.

وقالت وزيرة الطاقة مياتا فانبوله إن الغاز قد يصل إلى المنازل والشركات البريطانية في نهاية أكتوبر. وقال رئيس الوزراء آندي بيرنهام: “حتى في مسارنا المناخي الطموح، سنظل نحتاج إلى النفط والغاز لعقود قادمة”.

لماذا احتاج الحقل موافقة ثانية؟

حصل جاكداو على موافقته الأولى في الأول من يونيو 2022. لكن في 30 يناير 2025 حكمت محكمة الجلسات في إدنبرة بأن موافقة الحكومة السابقة على جاكداو وحقل روزبانك غير قانونية، لأن تقييم الأثر البيئي لم يتناول الانبعاثات “اللاحقة” الناتجة عن حرق الغاز والنفط بعد بيعهما، أي ما يسمى انبعاثات النطاق الثالث. وجاء ذلك بعد حكم المحكمة العليا البريطانية في 2024 في قضية “فينش” الذي أرسى هذا المبدأ.

والقرار الجديد ليس إلغاء لحكم المحكمة، بل قرار بديل أُعد وفق متطلباته. وبحسب ملخص منشور لوثيقة القرار، افترض التقييم سيناريو الإنتاج المرتفع، وأن كل الغاز المستخرج سيُحرق، وأن كل انبعاثاته إضافية دون افتراض أنه سيحل محل غاز آخر. ثم وزن الوزير الأضرار والمنافع: أعطى أثر غازات الدفيئة “وزناً سلبياً متوسطاً”، وأعطى أمن الطاقة “وزناً إيجابياً كبيراً”، وخلص إلى أن المشروع متوافق مع الميزانيات الكربونية وهدف الحياد الكربوني.

الأرقام

  • الموقع: نحو 250 كيلومتراً شرق أبردين، و30 كيلومتراً جنوب شرق منصة شيرووتر، بعمق مياه نحو 78 متراً.
  • المنشآت: منصة رأس بئر لا يقيم عليها طاقم دائم، وأربع آبار، وأنبوب بطول 31 كيلومتراً إلى شيرووتر.
  • مراحل البناء: تركيب الهيكل الفولاذي في أغسطس 2023، ومد الأنبوب في يوليو 2024، وتركيب الجزء العلوي في أكتوبر 2025، واكتمال الحفر في أوائل 2026.
  • الإنتاج: نحو 6% من إنتاج الغاز البريطاني في الذروة، ونحو 5% في المتوسط على عمر يصل إلى 11 عاماً. وتقدر وود ماكنزي الإنتاج بنحو 140 مليون قدم مكعبة يومياً في 2027، وتقول أدورا إن الذروة تعادل حتى 40 ألف برميل نفط مكافئ يومياً.
  • التكلفة والعائد: تكلفة المشروع نحو 2.1 مليار جنيه إسترليني بحسب رابطة OEUK، والحكومة تقدر إسهامه الاقتصادي بنحو 2.9 مليار جنيه.
  • الانبعاثات: تقدر وود ماكنزي إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة على عمر الحقل بنحو 24 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون (تقدير P50)، أي 1.8% من الانبعاثات المتبقية لقطاع بحر الشمال البريطاني. وتقول OEUK إن انبعاثات الإنتاج نحو نصف متوسط الحوض البريطاني.

الفكرة الهندسية: حقل صغير على “ظهر” منصة كبيرة

تصميم جاكداو مثال واضح على ما يسمى “الربط الخلفي” (tieback). فبدلاً من بناء منصة معالجة كاملة بطاقم وسكن ومعدات، بُنيت منصة رأس بئر بسيطة لا يقيم عليها أحد بشكل دائم، تُشغَّل عن بعد ويزورها الفنيون للصيانة. تخرج منها الموائع عبر أنبوب بطول 31 كيلومتراً إلى منصة شيرووتر القائمة، حيث تجري المعالجة الثقيلة. والمكسب مزدوج: تكلفة أقل لأن المعالجة موجودة سلفاً، وعمر أطول للمنصة المضيفة التي يتراجع إنتاج حقولها الأصلية.

وتحقق سريع منا يفسر رقم الانبعاثات: 140 مليون قدم مكعبة يومياً لمدة تسع سنوات تعني قرابة 0.46 تريليون قدم مكعبة، وحرق هذه الكمية ينتج نحو 25 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. أي أن رقم وود ماكنزي البالغ 24 مليون طن يتكون في معظمه من حرق الغاز عند المستهلك، لا من الإنتاج على المنصة. وهذا بالضبط ما كان التقييم القديم يتجاهله.

رأي: الحكم غيّر السؤال، لا الجواب

أرى أن أهم ما في القصة ليس الموافقة نفسها، فقد كان متوقعاً أن حقلاً شبه منجز بتكلفة ملياري جنيه سيُسمح له بالإنتاج. الأهم أن طريقة السؤال تغيرت. قبل حكم فينش كان تقييم الأثر البيئي لحقل غاز يحسب ما يخرج من مداخن المنصة فقط، وهو جزء صغير من الصورة. اليوم صار مطلوباً أن يحسب المطور الانبعاثات الكاملة لما يبيعه، ثم أن يوازن صاحب القرار بينها وبين أمن الطاقة علناً وبأوزان مكتوبة.

وهذا في رأيي تحسن في الهندسة قبل أن يكون تحسناً في البيئة، لأنه يجبر الجميع على وضع الأرقام الحقيقية على الطاولة. لكن له كلفة: سنوات من عدم اليقين لمشروع كانت منشآته البحرية مركبة. فالهيكل رُكّب في 2023 والجزء العلوي في 2025، والمشروع ظل معلقاً قانونياً بينهما. والدرس للمستثمر أن يكتمل التقييم البيئي بمعاييره الأشد قبل أن يُنزَل الفولاذ إلى البحر.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فشركاتنا تبيع الغاز والغاز المسال إلى أوروبا، والمشترون هناك يحسبون الآن انبعاثات الإنتاج والنقل والحرق. والحجة التي استخدمتها OEUK، وهي أن غاز جاكداو أنظف إنتاجاً من الغاز المسال المستورد، هي الحجة نفسها التي سيستخدمها المنافسون ضد المورد الذي لا يقيس انبعاثاته بدقة.

دروس عملية للمهندس

  1. احسب النطاقات الثلاثة. أي تقييم بيئي لمشروع إنتاج في سوق أوروبية سيُسأل عن انبعاثات الحرق، فجهّز الحساب مبكراً.
  2. الربط الخلفي يطيل عمر البنية القائمة. الحقول الصغيرة قرب منصات معالجة قائمة فرصة اقتصادية، في بحر الشمال كما في الخليج وشرق المتوسط.
  3. المنصات بلا طاقم تقلل الكلفة والمخاطر. لكنها تتطلب تصميماً موثوقاً للتحكم عن بعد والصيانة المجدولة.
  4. افصل بين انبعاثات الإنتاج وانبعاثات الحرق. الرقمان مختلفان في الحجم والمسؤولية، والخلط بينهما يضعف حجتك.
  5. المخاطر القانونية جزء من الجدول. في الأسواق التي تتغير فيها المعايير، أضف هامشاً زمنياً للمراجعة القضائية قبل الالتزام بالمنشآت البحرية.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕