اليابان تنطلق إلى قمر المريخ “فوبوس” لتعود بعشرة غرامات من ترابه: كيف تدور مركبة حول قمر لا تكفي جاذبيته لإمساكها؟
ما الذي حدث؟
انطلق الصاروخ الياباني H3 في رحلته العاشرة (H3 F10) من منصة الإطلاق الثانية في مجمع يوشينوبو بمركز تانيغاشيما الفضائي، في الموعد الذي حددته جاكسا مسبقاً: 04:41 فجر 20 أكتوبر 2026 بتوقيت اليابان، أي 19:41 بتوقيت غرينتش يوم 19 أكتوبر. وحمل الصاروخ مركبة “استكشاف أقمار المريخ” (Martian Moons eXploration)، وجرى تأكيد انفصالها عن المرحلة العليا للصاروخ.
وبحسب تغطية موقع Space.com، انفصلت المعززات الأربعة العاملة بالوقود الصلب قبل الدقيقة الثانية، ثم الغطاء الواقي بعد نحو 80 ثانية. وبعد نحو ساعة وأربع دقائق من الإقلاع، أشعلت المرحلة العليا محركها نحو ست دقائق و25 ثانية لتضع المركبة على مسار المريخ بسرعة تقارب 38,858 كيلومتراً في الساعة، ثم انفصلت المركبة بعد نحو 71 دقيقة من الإقلاع.
الأرقام والمعطيات
- الهدف: فوبوس، أكبر قمري المريخ، وعرضه نحو 22 كيلومتراً فقط. والقمر الآخر ديموس عرضه نحو 13 كيلومتراً.
- العينة: 10 غرامات على الأقل من سطح فوبوس، تُجمع في هبوطين منفصلين.
- الجدول الزمني: رحلة نحو عشرة أشهر، والوصول إلى منظومة المريخ في أغسطس 2027، ثم نحو ثلاث سنوات هناك، ومغادرة نحو الأرض في نوفمبر 2030، وهبوط كبسولة العودة في أستراليا عام 2031.
- المركبة: ثلاث وحدات، هي وحدة الدفع ووحدة الاستكشاف ووحدة العودة.
- المركبة الجوالة “إيديفيكس”: نحو 25 كيلوغراماً، من تطوير فرنسا وألمانيا، تنزل إلى سطح فوبوس لدراسة تركيبه وملمسه وتمهيد الطريق للهبوط الرئيسي.
- الشركاء: ناسا تساهم بمطياف أشعة غاما والنيوترونات “MEGANE” وبجهاز أخذ عينات يعمل بضغط الغاز، وبدعم شبكة الاتصالات العميقة، باستثمار نحو 87 مليون دولار مقابل 15% على الأقل من العينة. ووكالة الفضاء الأوروبية تقدم معدات الاتصال في الفضاء العميق ودعم محطاتها الأرضية “إستراك”.
- الصاروخ: محركان من طراز LE-9 في المرحلة الأولى بقوة دفع نحو 1,471 كيلونيوتن، يعملان بالهيدروجين والأكسجين السائلين، مع أربعة معززات صلبة.
شرح مبسط: كيف تدور حول قمر لا يمسكك؟
المشكلة الهندسية الأولى في فوبوس هي صغره. فجاذبيته ضعيفة جداً، إلى حد أن المركبة الجوالة “إيديفيكس” التي تزن نحو 25 كيلوغراماً على الأرض ستكون على سطحه بوزن يقارب 15 غراماً فقط، بحسب Space.com. وفوبوس نفسه يدور قريباً جداً من المريخ، فجاذبية الكوكب الكبير تطغى على جاذبيته في أي نقطة تبعد عنه قليلاً.
لهذا لن تدور “MMX” حول فوبوس بالمعنى المألوف. بل ستدخل ما يسمى “المدار شبه التابع” (Quasi-Satellite Orbit). الفكرة أن المركبة تدور فعلياً حول المريخ، في مدار قريب جداً من مدار فوبوس، لكن بشكل مختلف قليلاً. فمن وجهة نظر فوبوس، تبدو المركبة كأنها ترسم حلقة حوله، مرة أمامه ومرة خلفه، دون أن تكون أسيرة جاذبيته. وهذا يحتاج إلى ملاحة دقيقة، لأن أي خطأ صغير قد يبعد المركبة عن القمر أو يقربها منه أكثر مما يجب.
والمشكلة الثانية هي الهبوط وأخذ العينة. فعلى جسم بجاذبية شبه معدومة، أي دفع من ذراع الحفر أو من الغاز قد يرد المركبة إلى الأعلى. ولهذا تحمل “MMX” جهاز ناسا الذي ينفث الغاز ليرفع التربة إلى حاوية، وتعتمد المهمة على هبوطين منفصلين لزيادة فرص النجاح. وتستعين جاكسا بخبرة اكتسبتها في مهمتي “هايابوسا” لجمع عينات من الكويكبات.
والمشكلة الثالثة هي الزمن. فالمريخ والأرض لا يصطفان في وضع مناسب للإطلاق إلا مرة كل 26 شهراً تقريباً. وقد كانت المهمة مقررة في 2024، لكن مشكلات الصاروخ H3 أخرتها إلى النافذة التالية.
رأي: دقة التنفيذ هي الخبر، لا “أول مرة”
أرى أن أهم ما في هذا الإطلاق ليس عبارة “أول مهمة في التاريخ”، بل أن اليابان أطلقت مهمة كوكبية معقدة في الدقيقة التي حُددت قبل شهرين، على صاروخ أخّر المهمة نفسها سنتين. فالصاروخ H3 هو الذي فوّت نافذة 2024، وهو الذي أعاد الثقة في 2026. وهذه رسالة واضحة: الموثوقية تُبنى برحلات متكررة، لا بإعلانات.
وأرى أيضاً أن المهمة نموذج ذكي للشراكة. فاليابان تقود وتصنع المركبة، وفرنسا وألمانيا تصنعان الجوالة، وناسا تقدم جهاز العينة والمطياف والاتصالات مقابل حصة من العينة، وأوروبا تقدم معدات الاتصال والمحطات. كل طرف يدفع جزءاً ويأخذ نصيباً من العلم.
وهذا النموذج هو الأنسب للدول العربية التي تطور برامج فضائية ناشئة. فبدل محاولة بناء كل شيء محلياً، يمكن أن تتخصص جهة عربية في مكون واحد عالي القيمة، مثل جهاز علمي أو نظام اتصالات أو برمجيات ملاحة، وتشارك به في مهمة دولية. وبهذا يتراكم لدى المهندسين العرب سجل حقيقي في مهام الفضاء العميق، وهو سجل لا يُشترى.
دروس عملية للمهندس
- صمم للبيئة الحقيقية لا للافتراض المألوف. “الدوران حول قمر” يحتاج حلاً مختلفاً حين تكون جاذبية القمر أضعف من جاذبية جاره.
- ضع التكرار في الخطة. هبوطان لأخذ العينة يعنيان فرصة ثانية إذا فشل الأول.
- احترم نوافذ الزمن. في مشروعات الفضاء، تأخر شهر قد يعني انتظار عامين.
- ابنِ الموثوقية بالتكرار. الصاروخ الذي أخّر المهمة هو نفسه الذي نجح بعد رحلات متتالية.
- تخصص في مكون. المشاركة بجهاز واحد متقن في مهمة دولية قد تكون أكثر قيمة من مهمة كاملة متواضعة.
المصادر
- JAXA، “Launch Day of H3 Launch Vehicle No.10 with Martian Moons eXploration (MMX) Onboard” (20 أغسطس 2026)
- ESA، “MMX lifts off to Mars’s moon Phobos” (20 أكتوبر 2026)
- Space.com، “Japan launches historic MMX sample-return mission to Mars’ moon Phobos” (19 أكتوبر 2026)
- Space.com، “Watch Japan launch a bold sample-return mission to Mars moon Phobos today” (19 أكتوبر 2026)
- Interesting Engineering، “Japan launches world-first mission to return samples from a Martian moon by 2031” (19 أكتوبر 2026)

