أوروبامسار المهندس

هندسة الحاسوب تتصدر المقاعد الشاغرة في الجامعات التركية: هل انتهى بريق التخصص الأكثر طلباً، أم أن الطلاب يقرؤون السوق بذكاء؟

ما الذي حدث؟

بعد إعلان نتائج القبول الرئيسية في امتحان القبول بالتعليم العالي (YKS) في تركيا، فُتحت مرحلة “التفضيل الإضافي” لملء المقاعد المتبقية. وفي 18 سبتمبر 2026 نشرت صحيفة حرييت وموقع Eğitim Sistem أرقام المقاعد الشاغرة في هذه المرحلة، وكانت المفاجأة أن هندسة الحاسوب، التي كانت لسنوات حلم كثير من الطلاب، تصدرت القائمة.

ثم في 30 سبتمبر، بعد إعلان نتائج القبول التكميلي، نقلت قناة NTV أن آلاف المقاعد بقيت شاغرة في الجامعات الحكومية والوقفية (الخاصة غير الربحية) معاً، وذكرت هندسة الحاسوب وهندسة البرمجيات وهندسة الذكاء الاصطناعي بين البرامج التي بقيت فيها مقاعد فارغة.

الأرقام

بحسب حرييت، نقلاً عن خبير التعليم سالم أونسال:

  • 114,808 مقعداً شاغراً في مرحلة التفضيل الإضافي: 50,277 في البكالوريوس و64,531 في الدبلوم المتوسط (سنتان).
  • 57,216 منها في الجامعات الوقفية، و47,683 في الحكومية، و9,219 في جامعات شمال قبرص، و690 في جامعات خارج تركيا.
  • هندسة الحاسوب: 2,384 مقعداً شاغراً، أي أن نحو 82 من كل 100 مقعد امتلأت.
  • هندسة البرمجيات: 1,913 مقعداً شاغراً.
  • الهندسة الكهربائية والإلكترونية: 549 مقعداً شاغراً.
  • للمقارنة: علم النفس 2,216، وإدارة الأعمال 1,407، وطب الأسنان 644، والطب 29 فقط.

وبحسب NTV نقلاً عن بيانات مركز القياس والاختيار (ÖSYM)، لم يتلقَّ 179 برنامج بكالوريوس بحصة 10 مقاعد أو أكثر أي تفضيل، ومعها 80 برنامجاً في الدبلوم المتوسط.

كيف نقرأ هذه الأرقام؟ شرح مبسط

قبل أن نستنتج أن “الطلاب هربوا من هندسة الحاسوب”، يجب الانتباه إلى ثلاث نقاط:

  1. الحجم: هندسة الحاسوب من أكبر البرامج عدداً في تركيا، فمن الطبيعي أن يكون عدد مقاعدها الشاغرة كبيراً بالأرقام المطلقة. النسبة أهم من الرقم، ونحو 82% امتلاء ليس انهياراً.
  2. مكان الفراغ: أكثر من نصف المقاعد الشاغرة في الجامعات الوقفية ذات الرسوم. وقال خبير التعليم أونور سوغوك لـNTV إن ارتفاع رسوم هذه الجامعات من أسباب العزوف.
  3. الحد الأدنى للدرجات: أوضح سوغوك أن التفضيل الإضافي مقيد بدرجات القبول، فالبرنامج الذي أُغلق عند 410 نقاط لا يستطيع الطالب الأقل منها اختياره، فتبقى مقاعده فارغة حتى لو رغب فيها كثيرون.

وأضاف سوغوك أن الطلاب يفضلون البرامج التي يرونها قابلة للتوظيف، ويقبل بعضهم الانتظار عاماً لإعادة الامتحان على أن يدخلوا قسماً يرون فرصه ضعيفة. ولم يقتصر الفراغ على الهندسة، إذ قال إن كثيراً من برامج إعداد معلمي العلوم أُغلقت مرة أخرى دون أن يُشغل أي من مقاعدها، في حين امتلأت فجوات التمريض والقبالة سريعاً. أي أن الطلاب يتحركون نحو ما يرون فيه وظيفة مضمونة، ويبتعدون عما يرون فيه انتظاراً طويلاً.

رأي: الطلاب لا يهربون من الحاسوب، بل من “الحاسوب الضعيف”

في رأيي، القراءة الأدق ليست أن هندسة الحاسوب فقدت قيمتها، بل أن الطالب صار يفرّق بين برنامج وبرنامج. فحين تمتلئ مقاعد الطب كلها تقريباً وتبقى آلاف مقاعد الحاسوب فارغة في جامعات وقفية مرتفعة الرسوم، فهذه رسالة واضحة: الطالب مستعد أن يدفع أو ينتظر من أجل برنامج قوي، لكنه لم يعد يدفع ثمن “اسم التخصص” وحده.

ولا يمكن تجاهل السياق العالمي. فالحديث عن تراجع فرص المبرمجين المبتدئين بسبب أدوات الذكاء الاصطناعي صار جزءاً من نقاش الأسر حول اختيار التخصص. والمصادر التركية لم تربط الأرقام بالذكاء الاصطناعي صراحة، لذلك أطرح هذا تفسيراً محتملاً لا حقيقة مثبتة. لكن وجود هندسة الذكاء الاصطناعي نفسها ضمن البرامج التي بقيت فيها مقاعد شاغرة يؤكد أن إطلاق برنامج بعنوان رائج لا يكفي لجذب الطلاب.

ولماذا يهم هذا الطالب العربي؟ لأن كثيراً من جامعاتنا الخاصة تتوسع اليوم في برامج الحاسوب والذكاء الاصطناعي بالمنطق نفسه الذي توسعت به الجامعات الوقفية التركية. والطالب العربي، مثل التركي، يدفع رسوماً مرتفعة، ويحق له أن يسأل: ما الذي يميز هذا البرنامج عن غيره؟ ولمن يفكر من الطلاب العرب في الدراسة بتركيا، فهذه الأرقام تخبره أن المقعد المتاح بسهولة في برنامج خاص ليس بالضرورة صفقة جيدة.

دروس عملية لطالب الهندسة

  1. لا تختر التخصص من عنوانه. “هندسة الذكاء الاصطناعي” في جامعة ضعيفة قد تكون أسوأ من هندسة الكهرباء في جامعة قوية. اسأل عن المختبرات والأساتذة ونسب توظيف الخريجين.
  2. اقرأ النسبة لا الرقم. حين تسمع أن تخصصاً فيه آلاف المقاعد الشاغرة، اسأل: من أصل كم؟ وفي أي نوع من الجامعات؟
  3. وازن الرسوم بالعائد. الطلاب الأتراك قالوا كلمتهم في الجامعات الوقفية مرتفعة الرسوم. احسب كم ستدفع، وكم يتقاضى خريج هذا البرنامج تحديداً في أول سنتين.
  4. فكر في التخصصات الهندسية “الصلبة”. الطلب على مهندسي الكهرباء والطاقة والبنية التحتية مرتبط بمشاريع مادية لا تكتبها الخوارزميات. ومع مهارات البرمجة والبيانات، يصبح المهندس التقليدي أقوى من المبرمج وحده.
  5. إن كان الحاسوب شغفك فلا تتراجع. المهندس الحاسوبي الجيد ما زال مطلوباً. لكن استعد للمنافسة بمشاريع حقيقية وتدريب مبكر، لا بالشهادة وحدها.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية