المغرب العربيمسار المهندس

أكثر من 45% من مهندسي تونس المسجلين يعيشون في الخارج: هل يحوّل “المهندس السفير” الهجرة من خسارة إلى شبكة؟

ما الذي حدث؟

في مقابلة إذاعية على قناة Express FM يوم 17 سبتمبر 2026، نشرتها صحيفة La Presse التونسية في اليوم التالي، قال محسن الغرسي، عميد هيئة المهندسين التونسيين (OIT)، إن المهندس التونسي ينبغي أن يُرى محركاً محتملاً للاستثمار والتوسع الاقتصادي في أفريقيا، لا مجرد كفاءة تغادر بحثاً عن عمل. وكشف أن الهيئة تبني شبكة على مستوى القارة، وأطلقت مبادرة “المهندس السفير” التي تطلب من المهندسين المقيمين في الخارج المساعدة في ربط الشركات التونسية بالأسواق الأفريقية.

ودعا الغرسي أيضاً إلى إنشاء قاعدة بيانات خاصة بالمهندسين التونسيين المقيمين في الخارج، وقال إن هناك “طلباً قوياً على الكفاءات التونسية في الأسواق الأفريقية”، لكن أثرها محدود لأن أصحابها يعملون غالباً بشكل فردي. وطالب البرلمان بتسريع النظر في مشروع قانون إطاري قدمته الهيئة لتحفيز المهندسين المغتربين على المساهمة في الاقتصاد الوطني.

وفي 10 أكتوبر 2026 عاد الملف إلى النقاش في مقال رأي بموقع Kapitalis كتبه مهندس معلوماتية، دعا فيه إلى الكف عن “عدّ المغادرين” والانتقال إلى إشراكهم في مشاريع البلاد دون اشتراط عودتهم الدائمة.

الأرقام

  • أكثر من 45% من المهندسين المسجلين في الهيئة يقيمون في الخارج، بحسب الغرسي.
  • نحو 46,000 مهندس غادروا تونس خلال السنوات العشر الماضية، من أصل نحو 105,000 مسجل في الهيئة.
  • نحو 6,700 مهندس غادروا في عام 2022 وحده، وهو أعلى رقم سنوي.
  • 37 دولة أفريقية تقريباً أقامت معها الهيئة اتصالات، و43 بعثة اقتصادية تقريباً بنت معها علاقات أو شراكات.
  • 16 يوليو 2026 تاريخ تقديم مشروع القانون الإطاري إلى رئيس مجلس نواب الشعب.
  • 8.2 مليار دينار تحويلات التونسيين في الخارج عام 2024، أي نحو 6.5% من الناتج المحلي، بحسب البنك المركزي كما نقلت Kapitalis.

شرح مبسط: ماذا يقترح مشروع القانون؟

بحسب ما نشره موقع Tunisie Tribune في يوليو، يقترح المشروع أربعة أمور: لجنة دائمة مختصة بالخبرة الهندسية التونسية في الخارج، ومنصة رقمية وطنية لتسهيل مشاركة المهندسين في مشاريع التنمية، وقاعدة بيانات طوعية وآمنة تضم تخصصات المهندسين المغتربين وبلدان إقامتهم، وحوافز لم تُفصّل بعد. وحدد المشروع تخصصات ذات أولوية هي الأمن السيبراني وتقنية المعلومات والبناء المستدام والميكاترونيكس والروبوتات.

الفكرة الأساسية أن العلاقة لا تحتاج إلى عودة جسدية. المهندس المقيم في فرنسا أو كندا أو الخليج يمكن أن يشارك عبر بعثات خبرة قصيرة، أو إشراف عن بعد، أو تعريف شركة تونسية بعميل في بلد إقامته.

لماذا أفريقيا تحديداً؟

يقول الغرسي إن السوق الأفريقية التي يمكن أن تخدمها تونس تضم نحو 1.3 مليار نسمة، وإن الكفاءة والشبكات موجودة والفرص متاحة. والمنطق هنا أن المهندس التونسي يملك ميزتين في هذه الأسواق: اللغة الفرنسية التي تعمل بها دول كثيرة في غرب أفريقيا ووسطها، وتكويناً هندسياً على النمط الفرنسي تعرفه الإدارات هناك. وكثير من المهندسين التونسيين يعملون فعلاً في مشاريع أفريقية، لكن كأفراد مع شركات أجنبية، لا كجسر لشركات بلدهم.

والفكرة أن يتحول هذا الوجود الفردي إلى شبكة منظمة: مهندس في أبيدجان أو داكار يعرف أن شركة تونسية للدراسات أو المقاولات تبحث عن شريك، فيعرّفها بالعميل المناسب.

رأي: الفكرة صحيحة، والتنفيذ هو الامتحان

في رأيي، هذه أنضج مقاربة عربية رأيتها لهجرة المهندسين منذ مدة. فهي تعترف بالواقع بدل إنكاره: المهندسون غادروا، ومعظمهم لن يعود قريباً، والمطالبة بالعودة دون تغيير ظروف العمل والأجر والإدارة لن تنجح. فلماذا لا نحوّل المغترب إلى عقدة في شبكة بدل أن نعدّه رقماً في جدول الخسائر؟

لكن عندي تحفظان. الأول أن قاعدة البيانات والمنصة الرقمية واللجنة الدائمة أدوات سهلة الإعلان صعبة التشغيل. المهندس المغترب لن يسجل بياناته إلا إذا رأى فائدة ملموسة: عقداً، أو مشروعاً، أو تسهيلاً إدارياً. والثاني أن الحديث عن أفريقيا يحتاج إلى شركات تونسية مستعدة فعلاً للتصدير، والمهندس السفير لا يستطيع أن يبيع خدمة لا توجد.

ويجدر التنبه إلى خلاف داخلي يرافق الملف. ففي يوليو، اعترض الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة على قوائم نشرتها الهيئة بمدارس الهندسة الخاصة التي يُقبل خريجوها في السجل، مؤكداً أن الاعتراف بالشهادة من اختصاص وزارة التعليم العالي وحدها. أي أن الهيئة التي تريد أن تكون جسراً للمغتربين تخوض في الوقت نفسه معركة حول من يحق له أن يكون مهندساً أصلاً.

ولماذا يهم هذا المهندس العربي؟ لأن تونس ليست وحدها. مصر والمغرب والأردن وسوريا ولبنان تفقد مهندسيها بالوتيرة نفسها تقريباً، ولا تملك معظمها حتى قاعدة بيانات بمن غادر. التجربة التونسية، إذا نجحت، نموذج قابل للنسخ.

دروس عملية للمهندس

  1. إذا كنت مغترباً، فلا تقطع تسجيلك المهني في بلدك. العضوية النشطة في النقابة أو الهيئة تفتح لك أبواب المشاريع والمبادرات مثل “المهندس السفير” حين تُطلق.
  2. شبكتك في بلد الإقامة رأس مال. صاحب العمل أو العميل الذي تعرفه في الخارج قد يكون أول عقد لشركة من بلدك. فكّر في نفسك وسيطاً لا موظفاً فقط.
  3. وثّق خبرتك بلغة يفهمها السوقان. سيرة ذاتية تجمع مشاريعك في الخارج بالأرقام تجعلك مرشحاً لبعثات الخبرة والاستشارات القصيرة.
  4. إذا كنت ما زلت في بلدك، فاعرف التخصصات ذات الأولوية. الأمن السيبراني والميكاترونيكس والبناء المستدام مطلوبة في الداخل والخارج معاً.
  5. تابع مصير مشروع القانون. الحوافز التي لم تُفصّل بعد قد تشمل تسهيلات ضريبية أو إدارية تخصك مباشرة.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية