هاتفك العادي يتصل بالقمر الصناعي مباشرة: Space42 الإماراتية تعد بإنهاء “المناطق الميتة” بحلول 2029، فما الذي يجعل ذلك صعباً هندسياً؟
ما الذي حدث؟
في 22 سبتمبر 2026 نشرت صحيفة The National تقريراً عن خطط Space42، شركة تقنيات الفضاء في أبوظبي، لإنهاء ما يسمى “المناطق الميتة” في تغطية الهاتف المحمول، أي الصحارى والجبال والبحار التي لا تصلها الأبراج الأرضية. وقال فيكتور ستويانوف، الرئيس التنفيذي للعمليات في قطاع الحلول الذكية بالشركة: “في المستقبل القريب ستتمكن من الاتصال بالأقمار الصناعية والحصول على الاتصال، حتى لو كنت في عمق المحيط أو عمق الصحراء أو أعالي الجبال”.
وجاء التقرير بعد أيام من توقيع Space42 وشركة Viasat الأمريكية اتفاقية التأسيس الرسمي لمشروعهما المشترك Equatys. وفي اليوم التالي نشرت Gulf News تفاصيل إضافية عن تجارب الشركة الحالية ورؤيتها التقنية.
الأرقام الأساسية
- الالتزام المالي: حتى مليار دولار من رأس المال، منها 400 مليون دولار من كل شريك، و200 مليون إضافية من Space42 في جولة لاحقة مع مستثمرين خارجيين، بحسب EnterpriseAM.
- الكوكبة: قد تصل إلى نحو 2800 قمر صناعي موزعة على 60 مستوى مدارياً وثلاث طبقات ارتفاع.
- الموعد: الخدمات متوقعة من 2029.
- نموذج العمل: “شركة أبراج” في الفضاء، يتشارك فيها المشغلون البنية التحتية والطيف، ويحتفظ كل مشغل بعملائه.
- التجربة الحالية: رسائل نصية في الاتجاهين ونداءات استغاثة من هاتف أندرويد عادي عبر القمر الصناعي الثابت Thuraya-4 فوق الإمارات، بالتعاون مع شركة Skylo.
- الطلب: استطلاع GSMA Intelligence لـ10,468 مستخدماً في 10 دول وجد أن 67% مهتمون بهذه الخدمات، وأكثر من 55% مستعدون لدفع مبلغ إضافي.
شرح مبسط: لماذا الرسالة سهلة والمكالمة صعبة؟
الهاتف الذكي جهاز صغير بهوائي صغير وقدرة إرسال محدودة، صُمم ليتحدث مع برج يبعد بضعة كيلومترات. أما القمر الصناعي فيبعد مئات أو آلاف الكيلومترات. وكل مضاعفة للمسافة تُضعف الإشارة أربع مرات تقريباً، وهذا ما يسميه المهندسون “ميزانية الوصلة”: كم يبقى من الإشارة بعد رحلتها، وهل يكفي لفك البيانات.
القمر Thuraya-4 قمر ثابت بالنسبة للأرض، يدور على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر. من هذا البعد تصل إشارة الهاتف ضعيفة جداً، لكنها تكفي لنقل بيانات قليلة ببطء: رسالة نصية أو نداء استغاثة. ولهذا تقول Space42 نفسها، بحسب Gulf News، إن الاتصال المباشر “الحقيقي” بجهاز غير معدل “لم يحدث بعد”.
الحل الذي تخطط له Equatys هو الأقمار في المدار المنخفض، الأقرب بكثير إلى الأرض. القرب يحسّن الإشارة، لكنه يخلق مشكلة أخرى: القمر المنخفض يمر فوقك بسرعة ويختفي خلال دقائق. لذلك تحتاج آلاف الأقمار حتى يبقى قمر واحد على الأقل فوق كل نقطة طوال الوقت، مع “تسليم” الاتصال من قمر إلى آخر دون أن يلاحظ المستخدم، تماماً كما ينتقل هاتفك بين الأبراج وأنت تقود سيارتك. ومن هنا جاء رقم 2800 قمر وثلاث طبقات ارتفاع.
وليست الاتصالات المجال الفضائي الوحيد للشركة. فبحسب The National، تشغّل Space42 كوكبة Foresight من خمسة أقمار رادار ذي فتحة تركيبية، تلتقط أجساماً بحجم 25 سنتيمتراً عبر الغيوم والغبار، وقد جرى تجميع ثلاثة منها واختبارها في الإمارات. هذه الخبرة المحلية في التجميع والتشغيل الأرضي هي ما يمنح الشركة أرضية للمشروع الأكبر.
ويضاف إلى ذلك تحدي الطيف: الهاتف العادي يعمل على ترددات محددة، والقمر يجب أن يرسل ويستقبل عليها دون أن يتداخل مع الشبكات الأرضية التي تستخدم الترددات نفسها.
رأي: نموذج “برج الفضاء المشترك” أذكى من سباق الكوكبات
أرى أن أهم ما في Equatys ليس عدد الأقمار بل نموذج العمل. فبدلاً من أن يبني كل مشغل كوكبته الخاصة، وهو ما لا تقدر عليه إلا شركات قليلة جداً في العالم، تقترح Equatys بنية مشتركة يستأجرها المشغلون. هذا يشبه ما فعلته شركات الأبراج على الأرض، حين فصلت ملكية البرج عن ملكية العميل.
وهذا النموذج يهم المنطقة العربية تحديداً. فجغرافيتنا مليئة بالصحارى الشاسعة والطرق الطويلة بين المدن ومواقع العمل النائية: حقول نفط، ومحطات طاقة شمسية، ومشاريع تعدين، وسفن في الخليج والبحر الأحمر. وكثير من حوادث الطرق الصحراوية تتحول إلى مآسٍ لأن المصاب لا يستطيع الاتصال بأحد.
لكن تحفظي على الموعد. 2029 موعد قريب لكوكبة بهذا الحجم لم يُعلن بعد عن إطلاق أي من أقمارها في التقارير التي اطلعنا عليها. وتصنيع آلاف الأقمار وإطلاقها يحتاج سعة إطلاق وسلاسل توريد تتنافس عليها شركات أكبر. لذلك أنظر إلى 2029 بوصفه هدفاً، لا موعداً مضموناً.
دروس عملية للمهندس
- ميزانية الوصلة هي البداية. قبل أي حديث عن خدمة فضائية، احسب الإشارة المتبقية بعد المسافة والفاقد. هذه الحسبة تحدد ما الممكن: رسالة أم مكالمة أم فيديو.
- الشبكات غير الأرضية مهارة قادمة. معايير 3GPP صارت تشمل الشبكات غير الأرضية (NTN)، ومهندس الشبكات الذي يفهمها سيكون مطلوباً لدى المشغلين.
- صمم مشاريعك النائية بطبقتين. في مواقع العمل الصحراوية، لا تعتمد على شبكة أرضية واحدة للسلامة. خطط لمسار اتصال احتياطي.
- فرّق بين “يعمل” و”يعمل تجارياً“. نجاح رسالة نصية في تجربة لا يعني خدمة بيانات جاهزة للبيع.

