حزمة وقود مائلة 30 درجة داخل مفاعل باليسيدز: أداة صُممت لمهمة واحدة تنقذ إعادة تشغيل محطة نووية، فماذا يتعلم مهندسو براكة والضبعة؟
ما الذي حدث؟
محطة باليسيدز مفاعل ماء مضغوط بوحدة واحدة وقدرة 800 ميجاوات كهربائي في بلدة كوفيرت بولاية ميشيغان. أُغلقت في مايو 2022 وأُفرغ قلبها من الوقود في يونيو من العام نفسه، ثم اشترتها شركة هولتك إنترناشونال وبدأت مشروعاً لتكون أول محطة نووية أمريكية تعود إلى التشغيل التجاري بعد قرار إيقافها، بدعم من ضمان قرض فدرالي بقيمة 1.52 مليار دولار، بحسب مجلة Nuclear Engineering International.
في 30 أغسطس 2026 بدأ تحميل الوقود في القلب. وُضعت الحزمة المعروفة بالرمز DD41، وهي حزمة سبق استخدامها ومشعة، في موقعها المحدد، وبعد أن أفلتتها آلة التحميل مالت وانحشرت. تقول وثائق الشركة إن الحزمة تقف الآن بزاوية تقارب 30 درجة عن لوح القلب: طرفها السفلي في موقعه، وطرفها العلوي مستند إلى جدار غلاف القلب في الجهة المقابلة. والمشكلة الأصعب أن اللوح العلوي للحزمة، وهو الجزء الذي تمسكه آلة التحميل عادة، تضرر، فلم يعد ممكناً الإمساك بها بالطريقة المعتادة.
أُوقف التحميل، وأكدت الهيئة أنه لا يوجد أي تسرب إشعاعي ولم يتأثر العاملون ولا الجمهور. وفي 30 سبتمبر قدمت الشركة طلباً عاجلاً لتعديل الترخيص يسمح لمرة واحدة بطريقة انتشال بديلة، ثم ردت في 8 أكتوبر على أسئلة إضافية من الهيئة، إلى أن صدر التعديل رقم 283 للترخيص في 13 أكتوبر.
الأرقام الأساسية
- زاوية الميل: نحو 30 درجة، والحد الأقصى المسموح أثناء الرفع 40 درجة.
- أداة الرفع: 12 ذراع رفع، ويفترض التحليل بتحفظ أن 8 منها فقط تلامس الحزمة.
- أقصى قوة سحب: 1,800 رطل قوة (نحو 8 كيلونيوتن) على عروة الرفع.
- وزن حاوية النقل محملة: نحو 49 ألف رطل (قرابة 22 طناً).
- أقصى زمن خارج الماء: 133 ساعة إجمالاً، تُحسب من أول خروج للحاوية من سطح الماء.
- الحرارة: ذروة متوقعة لغلاف الوقود نحو 269 درجة مئوية مقابل حد 400 درجة.
- فترة التعليق العام: ثلاثة أيام، وصلت خلالها تعليقات من 20 شخصاً.
شرح مبسط: كيف تنتشل شيئاً لا يمكن الإمساك به؟
في التشغيل العادي، تُنقل حزم الوقود تحت الماء دائماً. الماء يبرد الحزمة ويحجب إشعاعها، وآلة التحميل تمسكها من رأسها وتنقلها عبر قناة نقل مغمورة إلى حوض الوقود المستهلك. حين يتضرر الرأس ويميل الجسم، يسقط هذا المسار كله.
الحل الذي اعتمدته هولتك من شقين. الأول “جهاز تحريك الوقود”، أداة صنعتها الشركة خصيصاً للحزمة DD41، تُدار عن بعد تحت الماء، وتقبض على الحزمة من شبكات التباعد على طولها ومن طرفيها بدلاً من رأسها التالف. ترفعها الرافعة القطبية داخل مبنى الاحتواء عبر سلسلتي رفع مستقلتين، مع بقاء ثلاثة أمتار من الماء على الأقل فوق الحزمة.
والثاني “حاوية نقل الوقود”، وعاء مدرع تُنزل فيه الحزمة وهي لا تزال تحت الماء، ويُتأكد من استقرارها بقراءة خلية حمل قبل فك الأداة. بعدها تُغلق الحاوية وتُرفع من التجويف وتُصرّف منها المياه، ثم تُنقل أفقياً على عربة عبر بوابة المعدات إلى مبنى حوض الوقود، حيث تُعدل إلى الوضع الرأسي وتُخرج الحزمة إلى مكان تخزين معتمد.
هذا المسار يخالف افتراضات تقرير تحليل الأمان الأصلي، ولهذا احتاج إلى تعديل في الترخيص. وقد تضمن ملف الشركة تحليلات سقوط للحاوية، واستقرار زلزالي لها في الحوض، وتحليلاً حرارياً، وتحليلاً إشعاعياً افترض بتحفظ أن كل قضبان الحزمة فشلت.
لماذا الجدل؟
اعترضت مجموعة Don’t Waste Michigan، وقال مستشارها المهندس النووي آرني غوندرسن إن الشركة تريد الموافقة لتسريع إعادة التحميل، منتقداً غياب تحليل السبب الجذري، بحسب صحيفة ذا ناشيونال. كما أشار استفسار من الهيئة إلى أن الحزمة تُظهر “انحناءً كبيراً”، بينما يتوقع مورد الوقود أن تستقيم داخل الحاوية دون فشل في الغلاف. وطالب معلّق آخر بتقييم أثر أي سقوط فوق حوض يُخزن فيه وقود مستهلك على مسار النقل.
ردت الهيئة بشروط عملية: عينة كيميائية للماء بعد النقل لكشف أي تلف في القضبان، وفحص بالكاميرات للانحناء والفجوات مع إيقاف العمل إذا تجاوزت الفجوة نحو خمسة سنتيمترات، واستخدام رافعة بتكوين “مقاوم للعطل المنفرد” في مبنى الحوض.
رأي: الحادث الصغير يكشف الثقافة لا المعدات
أرى أن القصة في جوهرها ليست قصة أداة ذكية، وإن كانت الأداة مثالاً جميلاً على الهندسة التطبيقية: معدات تُصمم وتُحلل وتُصنع وتُرخص في نحو ستة أسابيع لمهمة لن تتكرر. القصة الحقيقية أن أخطر لحظة في عمر المفاعل ليست دائماً لحظة التشغيل بكامل القدرة، بل لحظات المناولة اليدوية والميكانيكية التي يعدها كثيرون “روتينية”.
هناك ثلاث ملاحظات تستحق التوقف. الأولى أن الشركة لم تعلن الحادث للجمهور إلا أواخر سبتمبر بعد أسئلة الصحافة، بحسب Nuclear Engineering International، رغم أنه لم يستوجب إبلاغاً رسمياً. هذا قانوني، لكنه يكلف ثقة يصعب استعادتها في مشروع يعيد تشغيل محطة مغلقة. الثانية أن تحليل السبب الجذري لم يكتمل بعد، أي أننا نعرف كيف ستُنتشل الحزمة قبل أن نعرف لماذا مالت. والثالثة أن مهلة التعليق العام البالغة ثلاثة أيام مفهومة فنياً في ظرف عاجل، لكنها تمنح المعترضين حجة سهلة.
وأهمية ذلك للقارئ العربي مباشرة. الإمارات تشغّل محطة براكة، ومصر تبني محطة الضبعة، وكلاهما سيعيش دورات تحميل وقود متكررة لعقود. وأخشى أن يتركز الاهتمام الإعلامي والتدريبي في المنطقة على الإنشاء وأول تشغيل، بينما تحتاج المحطة طوال عمرها إلى فرق مناولة وقود وهندسة رفع وتحليل حوادث صغيرة تملك الخبرة والصلاحية لتصميم حل مخصص بسرعة، لا انتظاره من المورد في الخارج. قدرة هولتك على تصنيع أداة وحاوية بنفسها هي ما اختصر الأزمة إلى أسابيع.
دروس عملية للمهندس
- هندسة الرفع تخصص نووي. الرافعات والأحمال الثقيلة ومعايير العطل المنفرد ليست هامشاً في المحطات النووية، بل جزء من تحليل الأمان نفسه.
- صمم لحالة الفشل لا للحالة الاسمية. الأداة المعتادة تمسك الرأس، فلما تلف الرأس لزم التفكير في نقاط إمساك أخرى. اسأل دائماً: من أين أمسك المكوّن إذا تلف مقبضه؟
- حدود التشغيل يجب أن تُترجم إلى أرقام قابلة للقياس. زاوية قصوى، وقوة سحب قصوى، وساعة تعد الزمن خارج الماء، وفجوة توقف العمل. هكذا يتحول التحليل إلى إجراء ميداني.
- التحفظ في الافتراض يحميك أمام المراجع. افتراض فشل كل القضبان رغم سلامتها جعل نتائج الجرعات أقوى حجة.
- الشفافية جزء من التصميم. في المشاريع الحساسة، توقيت الإعلان عن الخلل يؤثر في مصير المشروع بقدر الحل الفني.
المصادر
- هيئة الرقابة النووية الأمريكية (طلب هولتك باليسيدز)، “Emergency License Amendment Request to Allow an Alternative Method for Recovery of Fuel Assembly DD41” (30 سبتمبر 2026)
- هيئة الرقابة النووية الأمريكية، “Palisades Requests License Amendment Review” (6 أكتوبر 2026)
- هيئة الرقابة النووية الأمريكية (رد هولتك على الأسئلة الإضافية)، PNP 2026-055 (8 أكتوبر 2026)
- هيئة الرقابة النووية الأمريكية، “Palisades Nuclear Plant: Issuance of Amendment No. 283” (13 أكتوبر 2026)
- Nuclear Engineering International، “Palisades restart delayed” (28 سبتمبر 2026)
- The National، “Palisades proposes method to retrieve ‘tipped nuclear fuel assembly’” (9 أكتوبر 2026)

