الخليج العربيتقنيات هندسية

17 تيرابايت من ملفات ملعب جدة المركزي في يد قراصنة؟ مخططات “معتمدة للتنفيذ” وشهادات دفع ومطالبات: لماذا صارت بيانات المشروع الإنشائي هدفاً بحد ذاتها

ما الذي حدث؟

في 3 أكتوبر 2026 ظهر على موقع التسريب التابع لمجموعة WallStreet إعلان عن ضحية جديدة سمّتها “World Cup 2034”، ورصدته منصات تتبع هجمات الفدية. وبحسب الإعلان، فالضحية هي الفرع السعودي لشركة China Railway Construction Corporation وتحالف سما للإنشاءات، المقاول الرئيسي لملعب جدة المركزي.

وفي 6 أكتوبر نشرت صحيفة ذا ناشونال تقريراً نقلت فيه عن شركة Hackmanac الإماراتية لتحليل الأمن السيبراني أن الهجوم من أخطر ما رصدته، وأن البيانات المسروقة تشمل وثائق وعقوداً ومعلومات دفع وتصاميم الملعب وبيانات شخصية لنحو 150 ألف موظف. وقالت الصحيفة إن الشركة الصينية لم ترد على طلب التعليق، وإن الجهة السعودية المعنية بالأمن السيبراني أكدت استلام الاستفسار دون تعليق.

الأرقام والمعطيات

  • الحجم المزعوم: نحو 17 تيرابايت، وقرابة 1.5 مليون ملف.
  • تاريخ الاختراق بحسب التقارير: 3 أكتوبر 2026.
  • محتوى الملفات بحسب المجموعة: وثائق العقد الرئيسي، وشهادات الدفع المرحلية، والمطالبات ضد المالك، وملفات نزاعات ومطالبات تعليق، ووثائق تصميم “معتمدة للتنفيذ” (IFC)، وبيانات الموردين والمقاولين من الباطن بما فيها جداول مقارنة العطاءات، وبيانات أكثر من 150 ألف موظف.
  • المجموعة: بحسب SOCRadar، تعتمد “الابتزاز المزدوج” أي سرقة البيانات والتهديد بنشرها إلى جانب التشفير، وتدخل غالباً عبر بيانات دخول مسروقة وخدمات الوصول عن بعد مثل VPN وRDP.
  • السياق: بحسب ذا ناشونال، تخطط السعودية مبدئياً لـ15 ملعباً في خمس مدن لمونديال 2034، منها 11 ملعباً جديداً، وإن كانت تقارير لاحقة في منتصف أكتوبر تحدثت عن احتمال تقليص العدد.

شرح مبسط: ماذا يوجد في “صندوق” المشروع؟

المشروع الإنشائي الكبير اليوم يعيش داخل ما يسمى “بيئة البيانات المشتركة” (Common Data Environment)، وهي منصة يتبادل فيها المالك والاستشاري والمقاول والموردون آلاف الملفات: النماذج ثلاثية الأبعاد، والمخططات بمراحلها، والمراسلات، ومحاضر الاجتماعات، والمستخلصات.

وكل نوع من هذه الملفات له قيمة مختلفة لمن يسرقه. فمخططات “معتمدة للتنفيذ” لمنشأة ستستقبل عشرات الآلاف من الجماهير تكشف المداخل والمخارج ومسارات الخدمات وغرف التحكم وأنظمة الأمن، وهي معلومات حساسة لأي منشأة عامة. وجداول مقارنة العطاءات تكشف أسعار الموردين وهوامشهم، فهي كنز لأي منافس. أما المطالبات وملفات النزاع فتكشف موقف المقاول التفاوضي أمام المالك. وبيانات الموظفين تفتح الباب لعمليات احتيال وانتحال لاحقة.

ولهذا فإن تسريب مشروع إنشائي لا يشبه تسريب قاعدة بيانات عملاء فقط. إنه يجمع خطراً أمنياً وتجارياً وقانونياً في وقت واحد.

ولماذا قطاع الإنشاء تحديداً؟ لأن طبيعته تساعد المهاجم. فالمشروع تحالف مؤقت من شركات كثيرة، لكل منها أنظمتها ومستوى نضجها الأمني المختلف، وفرق العمل تتغير كل بضعة أشهر، والضغط على الجدول الزمني يجعل الناس يفضلون الطريق الأسرع لتبادل الملفات على الطريق الأكثر أماناً. كما أن معرفة المهاجم بتفاصيل شهادات الدفع وأسماء الموردين تسمح لاحقاً بعمليات احتيال مقنعة، مثل رسالة بريد تبدو من مورد حقيقي تطلب تغيير الحساب البنكي قبل صرف مستخلص. فالضرر قد لا يتوقف عند النشر، بل يمتد إلى سرقة أموال بأدوات المشروع نفسه.

رأي: أمن المعلومات جزء من التصميم، لا من قسم تقنية المعلومات

أرى أن هذه الحادثة، حتى قبل تأكيد تفاصيلها، تكشف فجوة في طريقة تفكيرنا. فالمهندس العربي اعتاد أن يرى أمن المعلومات شأناً لقسم الحاسب، بينما يرى البيانات الهندسية “ملفات عمل”. والواقع أن المخطط المعتمد للتنفيذ لمنشأة حساسة أصل أمني بالقدر نفسه الذي تمثله أقفال أبوابها.

والمؤشر الأخطر في التقارير هو طريقة الدخول المعتادة لهذه المجموعة: بيانات دخول مسروقة وخدمات وصول عن بعد. فمشاريع الإنشاء تعتمد على مئات المستخدمين من شركات مختلفة يدخلون من مواقع العمل والمكاتب والمنازل، وبعضهم يغادر المشروع ويبقى حسابه نشطاً. وكل حساب منسي باب مفتوح.

وأعتقد أن على ملاك المشاريع الكبرى في الخليج أن يكتبوا متطلبات أمن المعلومات في العقد نفسه، لا في ملحق تقني لا يقرؤه أحد: من يحق له رؤية أي ملف، وكيف تُصنّف المخططات الحساسة، ومتى تُغلق الحسابات، ومن يتحمل المسؤولية عند التسريب. وهناك إطار دولي جاهز لذلك، هو الجزء الخامس من معيار ISO 19650 الخاص بالإدارة الواعية أمنياً لمعلومات المباني.

ويبقى التحفظ ضرورياً: ما لدينا حتى الآن ادعاء من مجموعة إجرامية ونقل من شركات رصد، لا بيان رسمي. والمجموعات من هذا النوع تبالغ أحياناً لرفع قيمة الفدية. لكن الدرس الهندسي صحيح سواء ثبت الحجم كاملاً أم لا.

دروس عملية للمهندس

  1. صنّف ملفاتك. ليس كل مخطط سواء: ما يكشف أنظمة الأمن والخدمات الحرجة يحتاج صلاحيات أضيق.
  2. أغلق الحسابات عند انتهاء الدور. مراجعة دورية لمستخدمي منصة المشروع، خصوصاً المقاولين من الباطن.
  3. فعّل التحقق متعدد العوامل لكل دخول عن بعد إلى منصات المشروع والبريد.
  4. لا ترسل المخططات الحساسة عبر البريد الشخصي أو تطبيقات المحادثة. القناة الرسمية أبطأ لكنها قابلة للتدقيق.
  5. اطلب بنود أمن المعلومات في العقد إن كنت في جانب المالك أو الاستشاري.
  6. تحقق بالهاتف من أي طلب لتغيير بيانات الدفع. الرسالة المقنعة بعد التسريب أخطر من التسريب نفسه.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية