العراق خسر 60 مليار دولار لأنه لا يملك مكاناً يخزن فيه نفطه: الخزان أرخص من الأنبوب وأسرع منه
ماذا حدث؟
في 16 أكتوبر 2026 نقلت “عرب نيوز” عن وزارة الخارجية العراقية أن الوزير فؤاد حسين أبلغ نظيره الإيطالي في روما بأن خسائر العراق تبلغ نحو 60 مليار دولار. كان العراق قبل الحرب ينتج نحو 4 ملايين برميل يومياً ويصدر نحو 3.5 مليون، معظمها من الجنوب عبر مضيق هرمز. وحين أغلقت إيران المضيق، اضطر العراق إلى وقف معظم إنتاجه، لأنه، بعبارة التقرير، يفتقر إلى سعة التخزين.
وتعافت الصادرات جزئياً إلى 2.6 مليون برميل يومياً بين 1 و21 سبتمبر بحسب وزارة النفط، عبر الأنبوب العراقي التركي إلى جيهان وعبر شحنات محدودة بالشاحنات من خلال سوريا. لكن الثمن ظهر في كل مكان: النفط يوفر نحو 90% من إيرادات الدولة، واحتياطيات العملة الأجنبية تراجعت 20 مليار دولار، والبنك المركزي خفّض قيمة الدينار للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.
الأرقام
- 60 مليار دولار خسائر تقديرية بحسب وزير الخارجية.
- 3.5 مليون برميل يومياً صادرات ما قبل الحرب، معظمها عبر هرمز.
- 750 ألف برميل يومياً السعة الأولية للاتفاق المؤقت لمدة عام مع تركيا على خط جيهان، الموقع في أغسطس 2026.
- نحو 50 ألف برميل يومياً معدل البدء المخطط لنقل الخام بالشاحنات عبر سوريا، بتأخير نحو ثلاثة أشهر عن الموعد المتوقع، بحسب Enterprise.
- 1.5 إلى 2 مليون برميل سعة خزانات قديمة تحتاج صيانة شمال مصفاة بانياس، أي ما يكفي 7 إلى 9 أيام فقط بمعدل 220 ألف برميل يومياً.
- 15 مليار دولار كلفة أنبوب مقترح من البصرة إلى بانياس بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً، ويحتاج نحو أربع سنوات بعد قرار الاستثمار النهائي.
- أكثر من 100 مليون برميل فقط كانت السعة التخزينية المتبقية لدى السعودية والإمارات والكويت والعراق مجتمعة في مطلع مارس، أي نحو ثلث سعتها، بحسب شركة Kayrros.
شرح مبسط: لماذا يوقف غياب الخزان البئر؟
إنتاج النفط سلسلة مستمرة: البئر يضخ، ومحطات المعالجة تفصل الغاز والماء، والأنابيب تنقل الخام إلى الميناء، والناقلات تحمله. إذا توقفت الحلقة الأخيرة، يجب أن يذهب النفط إلى مكان ما. الخزان هو “الوسادة” التي تمتص الفرق بين ما يُنتج وما يُشحن. فإذا امتلأت الخزانات خلال أيام، لا يبقى إلا إغلاق الآبار.
ومكان الخزان مهم بقدر حجمه. الخزانات القريبة من الحقول تحمي الإنتاج من توقف الأنبوب، والخزانات القريبة من موانئ التصدير تحمي الأنبوب من توقف الناقلات، والخزانات عند نقاط التحويل بين الأنبوب والشاحنة أو بين دولتين تحمي المسار البديل من الاختناق. وكل نوع منها يحتاج تصميماً مختلفاً للأسقف والحماية من الحريق ومنظومات التحميل.
وإغلاق الآبار ليس مفتاحاً يُطفأ ويُشعل بلا ثمن. في بعض المكامن يؤدي الإيقاف المفاجئ والطويل إلى مشكلات في الضغط وترسبات في الآبار والمعدات، وإعادة التشغيل تحتاج وقتاً وفرقاً ومعدات. لذلك فإن أيام التخزين الإضافية لا تحمي الإيرادات فقط، بل تحمي الحقل نفسه.
رأي: نحن نحب المشروعات الكبيرة، والأزمة تكافئ المشروعات المملة
منذ الأشهر الأولى للحرب يدور النقاش في العراق حول الأنابيب: أنبوب البصرة حديثة كركوك جيهان، وفرع إلى بانياس، وفرع محتمل إلى العقبة، وأنبوب بـ15 مليار دولار تقوده شيفرون. هذه مشروعات مهمة، ولا أقلل من قيمتها. لكنها كلها تحتاج سنوات، وأفضلها لن يضخ برميلاً قبل نهاية العقد.
في المقابل، ما كشفته الأزمة فعلاً هو أن الحلقة الأضعف كانت أصغر وأقرب: خزانات لا تكفي، ومنصات تحميل محدودة، وشاحنات تصطف أكثر من 30 كيلومتراً خارج بانياس، وخزانات قديمة في سوريا تحتاج صيانة قبل أن تستقبل برميلاً عراقياً واحداً. والتجربة التي أجرتها شركة نفط البصرة لنقل الخام بالشاحنات إلى كركوك نقلت نحو 19 ألف برميل يومياً، أي خُمس هدفها، والقيد كان توفر الشاحنات وطاقة التحميل.
هذا في رأيي الدرس الحقيقي. الدول المصدرة في منطقتنا تقيس أمنها النفطي بعدد المنافذ: كم أنبوباً لدينا وإلى أي ميناء؟ والسؤال الأدق هو: كم يوماً نستطيع أن نواصل الإنتاج إذا أُغلقت كل المنافذ فجأة؟ الجواب يحدده الخزان، لا الأنبوب. والخزان مشروع يمكن تصميمه وبناؤه في فترة أقصر بكثير من أنبوب عابر للحدود، ولا يحتاج اتفاقاً مع دولة جارة ولا تأمين مسار في منطقة مضطربة.
ولا أقول إن الخزانات وحدها كانت ستنقذ العراق من حرب طويلة. أسابيع إضافية من التخزين لا تعوض أشهراً من الإغلاق. لكنها تشتري الوقت في الأيام الأولى، حين تُتخذ القرارات الأصعب، وتمنح الحكومة فرصة لتشغيل البدائل قبل إغلاق الآبار. وحين يكون الحديث عن حقل بحجم الرميلة، الذي أُوقف إنتاجه في مارس، فإن الفرق بين إغلاقه في الأيام الأولى وإغلاقه بعد شهر قد يساوي مليارات.
دروس عملية للمهندس
- قِس المرونة بالأيام لا بالمنافذ. في أي منظومة إمداد، احسب كم يوماً تصمد إذا توقف المخرج الرئيسي.
- الحلقات الصغيرة تحدد السعة. منصة التحميل والشاحنة والخزان قد تكون أضيق من الأنبوب نفسه.
- الصيانة جزء من الجاهزية. خزان قديم معطل لا يُحسب في سعة الطوارئ.
- ابدأ بالأسرع. في خطط تنويع المسارات، ضع المشروعات التي تُنجز في أشهر قبل التي تحتاج سنوات.
المصادر
- Arab News، “Iraq says lost $60bn as Mideast war hits oil exports” (16 أكتوبر 2026)
- Enterprise، “Iraq is close to trucking its first crude through Syria, three months later than planned” (14 أكتوبر 2026)
- Peregraf، “Iraq Advances Basra-Ceyhan Pipeline as One-Year Turkey Export Deal Takes Effect” (2 أغسطس 2026)
- World Oil (عن Bloomberg)، “Producers face storage crunch as Hormuz shutdown traps Middle East crude” (4 مارس 2026)

