محطة صب جاف “غير نظيف” في ميناء المكس: مذكرة مع شيامن الصينية تفتح أول محطة من أربع، فمن يضمن ألا يصل الغبار إلى الإسكندرية؟
ما الذي حدث؟
في 13 أكتوبر 2026 شهد وزير النقل المهندس كامل الوزير توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة ميناء الإسكندرية، ممثلة في رئيسها اللواء إيهاب صلاح، وشركة شيامن سي آند دي الصينية، ممثلة في رئيسها التنفيذي ليو رونغديان. وتنص المذكرة على إنشاء محطة لتداول البضائع الصب الجاف الصناعية “غير النظيفة” في ميناء المكس، ضمن مخطط ميناء الإسكندرية الكبير وممر السخنة الإسكندرية اللوجستي.
وبحسب موقع بنكر وجريدة المال، فإن المحطة هي الأولى من أربع محطات يجري تنفيذها في ميناء المكس. وتشمل رصيفين رئيسيين لاستقبال سفن البضائع العملاقة، وساحات تخزين قابلة للتوسع، وصوامع، ومنشآت مناولة حديثة، ومركزاً لوجستياً لتنظيم حركة الشاحنات، وربطاً بشبكة السكك الحديدية القومية. وقال الوزير إن المشروع سيوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ما نعرفه بالأرقام، وما لا نعرفه
ما ورد في المصادر:
- رصيفان رئيسيان للسفن الكبيرة، مع قدرة على استقبال ثلاث سفن عملاقة في وقت واحد بعد اكتمال المشروع.
- المحطة الأولى من أربع في ميناء المكس.
- البضائع المستهدفة: صب صناعي يخدم صناعات الأسمنت والحديد والصناعات الثقيلة، بحسب بنكر.
- نظام إدارة بيئية وفق المعايير الدولية ضمن الخطة الفنية.
وما لم يُنشر بعد، كما لاحظت Rio Times: قيمة الاستثمار، والطاقة السنوية بالطن، ومدة الامتياز، والجدول الزمني للإنشاء، وأطوال الأرصفة وأعماقها. والمذكرة نفسها ليست عقداً ملزماً.
وتذكر Rio Times أن مصر عرضت محطة حاويات في المكس على شركات أمريكية في 24 أغسطس 2026، قبل سبعة أسابيع من هذه المذكرة.
الفكرة الهندسية: لماذا الصب “غير النظيف” مشكلة خاصة؟
البضائع الصب الجاف مواد سائبة تُنقل بلا تعبئة: فحم، وكلنكر، وخامات حديد، وخبث، وأسمدة، وحبوب. ويُقصد بالصب “غير النظيف” المواد المتربة التي يتطاير غبارها عند التفريغ والنقل والتخزين. وهنا تكمن المسألة الهندسية.
في محطة الصب التقليدية تُفرّغ السفينة بالكباشات (Grabs)، ويُلقى الحمل في قمع، ثم ينقل بالشاحنات أو بالسيور إلى ساحات مكشوفة. وكل خطوة من هذه نقطة انبعاث غبار. أما المحطة الحديثة فتغير الصورة بثلاث أدوات:
- التفريغ المغلق: أجهزة تفريغ مستمرة أو كباشات مع أقماع مزودة بأنظمة شفط ورش ضبابي.
- النقل المغطى: سيور ناقلة مغلقة أو أنبوبية بدل الشاحنات المكشوفة داخل الميناء.
- التخزين المغلق: صوامع وقباب ومخازن مسقوفة بدل الأكوام المكشوفة.
ووجود الصوامع في وصف المشروع إشارة إيجابية. لكن الفرق بين محطة تلوث حيّاً كاملاً ومحطة لا يشعر بها الجيران يكمن في التفاصيل: نسبة المخزون المغلق، ونوع السيور، وأماكن نقاط التحويل، وطريقة غسل الشاحنات قبل خروجها.
الربط بالسكة: نصف المشروع
ميناء المكس يقع داخل نسيج الإسكندرية، والطرق المؤدية إليه مزدحمة أصلاً. وسفينة صب كبيرة قد تحمل عشرات آلاف الأطنان، وإذا خرجت حمولتها كلها بالشاحنات فهي آلاف الرحلات. ولهذا يبدو بند الربط بالسكك الحديدية القومية جزءاً أساسياً لا تكميلياً. فقطار البضائع يسحب من الطريق حمولة عشرات الشاحنات في رحلة واحدة.
حساب سريع للتوضيح
لنفترض، للتوضيح فقط، سفينة صب حمولتها 60 ألف طن، وشاحنة تحمل نحو 40 طناً. تفريغ هذه السفينة وحدها بالشاحنات يعني نحو 1500 رحلة. وإذا رست ثلاث سفن في وقت واحد كما يعد التصميم، تضاعف الرقم ثلاث مرات. أما قطار يحمل نحو 2000 طن، وهو افتراض آخر للتوضيح، فيحتاج إلى نحو 30 رحلة لنقل الحمولة نفسها. ولا تعني هذه الأرقام أن السكة تغني عن الطريق، لكنها تبين لماذا يجب أن تُحسم نسبة النقل بالقطار في مرحلة التصميم، لا بعد التشغيل.
ويستحق المكس أيضاً نظرة على مستوى الميناء كله. فأربع محطات في ميناء واحد، بينها محطة حاويات عُرضت على شركات أمريكية، تعني أن المداخل البرية والبوابات وساحات الانتظار ستُقتسم بين مشغلين مختلفين. والتخطيط المشترك لهذه العناصر قبل توقيع العقود أرخص كثيراً من حل الاختناقات بعد التشغيل.
رأي: المذكرة جيدة، والاختبار في الشروط
أرى أن جذب مشغل صيني متخصص في سلاسل الإمداد لتطوير محطة صب في الإسكندرية خطوة منطقية. فصناعات الأسمنت والحديد المصرية تحتاج محطات استيراد وتصدير فعالة، والموقع على المتوسط قريب من مصانع كبرى.
لكن لدي ثلاثة مطالب قبل تحويل المذكرة إلى عقد:
- أن تُكتب معايير الغبار في العقد بالأرقام. عبارة “نظام إدارة بيئية وفق المعايير الدولية” لا تكفي. المطلوب حدود تركيز للجسيمات عند سور الميناء، ومحطات رصد مستمرة تُنشر بياناتها.
- أن تُلزم المحطة بحصة نقل بالسكة. نسبة محددة من الحمولة تخرج بالقطار، وإلا تحولت المحطة إلى مولد شاحنات.
- أن تُنشر الأرقام الأساسية. الطاقة السنوية والاستثمار ومدة الامتياز ليست أسراراً تجارية، بل أساس تقييم المشروع.
ويهم الخبر المهندس المصري والعربي مباشرة: فالمحطات الأربع في المكس، مع توسعات السخنة، تعني طلباً على مهندسي الموانئ والإنشاءات البحرية وأنظمة المناولة والبيئة الصناعية خلال السنوات القادمة.
دروس عملية للمهندس
- الغبار متغير تصميمي. حدده في البداية، وصمم كل نقطة تحويل حوله.
- المخزن المغلق أغلى، لكنه أرخص من شكاوى المدينة.
- احسب الشاحنات. حوّل طاقة الرصيف إلى رحلات يومية قبل أن تقرر شكل الربط البري.
- المذكرة ليست عقداً. لا تبنِ خطتك على مشروع قبل ظهور قيمته وجدوله.
المصادر
- بنكر، “وزير النقل يوقع مذكرة تفاهم مع شركة صينية لإنشاء محطة للصب الجاف بميناء المكس” (13 أكتوبر 2026)
- جريدة المال، “النقل توقع مذكرة تفاهم مع C&D الصينية لإنشاء محطة للبضائع السائبة بميناء المكس” (13 أكتوبر 2026)
- Seatrade Maritime، “Egypt and Xiamen C&D to develop Alexandria dry bulk terminal” (16 أكتوبر 2026)
- The Rio Times، “Egypt Taps Chinese Firm for 1 of 4 Terminals” (14 أكتوبر 2026)

