جهاز بقطعة متحركة واحدة في واحدة من أكبر محطات التحلية: عقد Energy Recovery في السعودية يذكّرنا بأن الكهرباء هي الثمن الحقيقي للماء
ما الذي حدث؟
في 8 أكتوبر 2026 نشرت شركة Energy Recovery بياناً عبر Business Wire أعلنت فيه فوزها بعقد لتوريد أجهزة استرجاع الطاقة من طراز PX Q650 لمحطة جديدة لتحلية مياه البحر بالتناضح العكسي في السعودية. البيان لم يذكر اسم المحطة ولا قيمة العقد، واكتفى بالقول إنها ستكون “ضمن أكبر عشر محطات في العالم” عند اكتمالها. ونقل موقع SaudiGulf Projects الخبر في 11 أكتوبر.
اللافت أن الجهاز نفسه جديد: أطلقته الشركة في مارس 2026، أي أن المحطة السعودية اختارته بعد أشهر قليلة من طرحه، وهو ما وصفته الشركة بأنه “طلبية رئيسية” للطراز.
الأرقام
من بيان الإطلاق في مارس وبيان العقد في أكتوبر:
- نطاق التدفق: من 250 إلى 650 جالوناً في الدقيقة لكل جهاز، أي نحو 57 إلى 148 متراً مكعباً في الساعة (تحويل تقريبي منا).
- التدفق الأقصى: أعلى بنسبة 63% من الطراز السابق PX Q400.
- الكفاءة القصوى: حتى 99% بحسب الشركة.
- الاختلاط الحجمي: يصل إلى 2% فقط.
- التصميم: قطعة متحركة واحدة من سيراميك الألومينا، وعمر تصميمي 30 عاماً، ولا صيانة مجدولة.
- الضمان: 10 سنوات للمكونات السيراميكية و4 سنوات للأداء.
- على مستوى الشركة: تقول Energy Recovery إن تقنية PX خفّضت استهلاك الطاقة في التحلية بنسبة تصل إلى 60% خلال ثلاثة عقود، وإنها تخدم معالجة نحو 48.5 مليون متر مكعب يومياً حول العالم، بتوفير تقدّره بنحو 8 مليارات دولار سنوياً لعملائها.
- السياق السعودي: يذكر SaudiGulf Projects أن التحلية توفر أكثر من 70% من مياه الشرب في المملكة، وأن الشركة أعلنت هذا العام خطة لمنشأة تصنيع قرب الدمام.
شرح مبسط: أين تضيع الطاقة في التناضح العكسي؟
في محطة التناضح العكسي ترفع مضخة الضغط العالي ضغط ماء البحر حتى يتغلب على الضغط الأسموزي ويعبر جزء منه الأغشية ماءً عذباً. أما الجزء الذي لا يعبر فيخرج محلولاً ملحياً مركزاً، وهو ما زال تحت ضغط قريب من ضغط التشغيل. لو فُتح له صمام وخرج إلى البحر مباشرة، لضاعت معه نسبة كبيرة من الطاقة التي دفعناها في المضخة.
هنا يأتي مبادل الضغط. فكرته بسيطة: دوّار سيراميكي فيه قنوات طولية، يدور بين تيارين. في نصف الدورة تدخل القنوات مياه بحر منخفضة الضغط، وفي النصف الآخر يضغط عليها المحلول الملحي العالي الضغط مباشرة فيدفعها خارجاً بضغط مرتفع. لا توجد توربينة ولا عمود ولا تحويل للطاقة إلى شكل آخر، بل انتقال مباشر للضغط من سائل إلى سائل. لهذا تصل الكفاءة إلى أرقام عالية جداً، ولهذا يكفي جزء واحد متحرك.
النتيجة أن المضخة الرئيسية لا تحتاج أن ترفع ضغط كل مياه التغذية، بل جزءاً منها فقط، بينما يأتي الباقي من المبادل ثم ترفعه مضخة تعزيز صغيرة لتعويض الفاقد البسيط.
أما الاختلاط فهو نقطة يغفل عنها كثيرون: داخل القنوات يلتقي الماء المالح المركز بمياه التغذية، فيتسرب قليل من الملوحة إلى التغذية. كلما زاد الاختلاط ارتفعت ملوحة ما يدخل الأغشية، فارتفع الضغط المطلوب. لذلك فإن رقم 2% ليس تفصيلاً تسويقياً، بل يؤثر مباشرة في استهلاك المحطة كلها.
رأي: أهم قرار في المحطة قد يكون أصغر جهاز فيها
نرى أن هذا الخبر، على صغره، يكشف خللاً في طريقة حديثنا عن مشاريع التحلية في المنطقة. نحن نحتفي بالسعة اليومية بملايين الأمتار المكعبة، ونادراً ما نسأل: كم كيلوواط ساعة يكلف كل متر مكعب؟ مع أن الكهرباء هي البند التشغيلي الأكبر على مدى عمر المحطة، وأن الماء في الخليج صار في جوهره “كهرباء معبأة”.
جهاز يعمل 30 عاماً بلا صيانة مجدولة، وبكفاءة تقترب من 99%، يغيّر حسابات المشروع أكثر من فرق بسيط في سعر الأغشية أو في تكلفة الإنشاء. لكن النقطة الأهم عندنا أن عدد الأجهزة يقل كلما كبر الجهاز، وهذا يعني مصفوفات أصغر وصمامات وأنابيب أقل، وهو ما تقوله الشركة صراحة عن الطراز الجديد. في المحطات العملاقة، هذا ينعكس على مساحة المبنى وتعقيد التشغيل.
لكن علينا أن نقرأ الأرقام بعين ناقدة: الكفاءة 99% هي قيمة قصوى في ظروف مثالية، والاختلاط 2% هو الحد الأدنى. الأداء الفعلي يعتمد على نقطة التشغيل وعلى توازن التدفقات، وعلى جودة التصميم الهيدروليكي حول الأجهزة. لذلك نرى أن على المالك أن يطلب ضمانات أداء عند نقاط التشغيل الفعلية للمحطة، لا عند أفضل نقطة في الكتالوج.
وأخيراً، إعلان منشأة تصنيع قرب الدمام خطوة نتمنى أن تتحول إلى توطين حقيقي لا مجرد تجميع. فالسوق الخليجي هو أكبر سوق للتحلية في العالم، ومن الطبيعي أن تُصنع فيه هذه الأجهزة.
دروس عملية للمهندس
- احسب الطاقة النوعية أولاً. عند تقييم أي محطة تحلية، ابدأ بالكيلوواط ساعة لكل متر مكعب، فهو الرقم الذي يحدد تكلفة الماء لعقود.
- افهم توازن التدفقات. مبادل الضغط يعمل جيداً حين يتساوى تقريباً تدفق المحلول الملحي الداخل إليه مع تدفق التغذية الخارج منه؛ اختلال هذا التوازن يرفع الاختلاط.
- انتبه للاختلاط. نسبة صغيرة من الملوحة الإضافية في التغذية ترفع الضغط المطلوب على الأغشية، أي طاقة إضافية في كل ساعة تشغيل.
- قارن بين البدائل بعمر المشروع. جهاز أغلى قليلاً بعمر 30 عاماً وصيانة أقل قد يكون أرخص بكثير من بديل أرخص عند الشراء.
- هذا مجال مفتوح للمهندسين الميكانيكيين والكيميائيين معاً. تصميم أنظمة الضخ واسترجاع الطاقة في محطات التحلية تخصص مطلوب في الخليج ومصر والمغرب.
المصادر
- Business Wire عبر Finviz، “Energy Recovery Secures Contract to Supply New PX Q650 Energy Recovery Device to Major Saudi Arabia Desalination Plant” (8 أكتوبر 2026)
- SaudiGulf Projects، “Energy Recovery Wins Saudi Desalination Contract” (11 أكتوبر 2026)
- Business Wire، “Energy Recovery Unveils Next Generation Pressure Exchanger Designed for the World’s Leading Desalination Plants” (9 مارس 2026)

