تحلية مياه البحر داخل أسوار محطات الكهرباء في مصر: فكرة ذكية، بشرط أن نبدأ بالمحلول الملحي لا بالمعادن النادرة
ماذا حدث؟
في 25 سبتمبر 2026 اجتمع وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية الدكتور أحمد رستم، بحضور ممثلين عن هيئة المواد النووية وبنك الاستثمار القومي وشركتي الاستشارات NI Capital وNI Advisory، وفق ما نشرته بوابة أخبار اليوم وموقع باور نيوز.
ناقش الاجتماع إنشاء محطات تحلية لمياه البحر تستغل البنية التحتية لمحطات الكهرباء القائمة، بالشراكة مع القطاع الخاص، بما يخفض التكلفة النهائية وتكاليف التشغيل. واستعرض الحاضرون دراسات أولية للجدوى ونماذج تمويل وعروضاً وتقنيات مقدمة من شركات. كما ناقشوا إنشاء كيانات اقتصادية لاستخلاص الأملاح وفصلها، واستعادة المعادن الحرجة والعناصر النادرة. وأكد وزير الكهرباء أهمية الاستفادة من محطات الكهرباء القريبة من البحرين الأحمر والمتوسط.
الأرقام: أين تقف التحلية في مصر؟
لم يتضمن خبر الاجتماع أي أرقام للسعات أو التكاليف. لكن متابعة رئيس الوزراء للخطة الاستراتيجية للتحلية في يونيو 2026 أعطت صورة عامة، بحسب أخبار اليوم:
- محطات عاملة: 129 محطة بسعة 1.4 مليون متر مكعب يومياً.
- تحت الإنشاء: 19 محطة بسعة 687 ألف متر مكعب يومياً.
- مشروعات مخططة: 14 مشروعاً بسعة إجمالية 2.4 مليون متر مكعب يومياً، بعضها مطروح بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- التوطين: مذكرات تفاهم قيد الدراسة لتوطين صناعة أغشية التحلية في مصر.
أي أن المخطط وحده أكبر من كل ما يعمل اليوم، وهذا يجعل خفض تكلفة المتر المكعب مسألة حاسمة.
شرح مبسط: لماذا محطة الكهرباء مكان مناسب للتحلية؟
محطة الكهرباء الحرارية الساحلية تسحب كميات ضخمة من مياه البحر لتبريد مكثفاتها ثم تعيدها إلى البحر. هذا يعني أن لديها بالفعل ثلاثة أشياء مكلفة تحتاجها أي محطة تحلية: مأخذ مياه بحر بمصافيه ومضخاته، ومخرج لإعادة المياه إلى البحر، وأرضاً على الساحل مخصصة للمرافق.
ويضاف إلى ذلك اتصال مباشر بالشبكة الكهربائية، وهو مهم لأن التحلية بالتناضح العكسي تستهلك الكهرباء أساساً في مضخات الضغط العالي. وهناك ميزة فنية أخرى معروفة: مياه التبريد الخارجة من المكثف أدفأ قليلاً من مياه البحر، والمياه الأدفأ تمر عبر أغشية التناضح العكسي بسهولة أكبر في حدود معينة. كما يمكن خلط المحلول الملحي الناتج عن التحلية بتيار مياه التبريد الكبير قبل إعادته إلى البحر، فتنخفض ملوحته عند نقطة التصريف.
رأي: شاركوا البنية التحتية، ولا تؤجلوا سؤال المحلول الملحي
أرى أن هذه الفكرة من أكثر الأفكار عقلانية في ملف المياه المصري. بدلاً من بناء مأخذ ومخرج وخطوط ربط جديدة لكل محطة تحلية، نستخدم ما دفعنا ثمنه بالفعل. وهذا وحده قد يغير اقتصاديات المتر المكعب في مشروعات الشراكة، لأن المستثمر الخاص يحسب العائد على كل جنيه في البنية التحتية.
لكن الجزء الذي يحتاج نقاشاً هو استخلاص الأملاح والمعادن. الفكرة جذابة: المحلول الملحي الخارج من التحلية يحمل تقريباً ضعف تركيز الأملاح في مياه البحر، وفيه نظرياً كلوريد الصوديوم والمغنيسيوم وعناصر أخرى. وحضور هيئة المواد النووية في الاجتماع يشير إلى اهتمام بالعناصر النادرة.
وأنا هنا أدعو إلى الحذر لا إلى الرفض. استخلاص المعادن من المحلول الملحي يحتاج طاقة إضافية، وتركيز العناصر النادرة فيه ضئيل جداً، والجدوى تتوقف على الأسعار العالمية لكل عنصر. وإذا بُنيت دراسة جدوى محطة التحلية على عائد متوقع من المعادن لم يتحقق بعد، فقد نجد مشروعات معلقة على افتراض متفائل.
لذلك أقترح ترتيباً مختلفاً للأولويات. أولاً: مواصفة وطنية واضحة لتصريف المحلول الملحي، تحدد أقصى ملوحة وحرارة عند نقطة التصريف، وتلزم بمراقبة بيئية مستمرة، خاصة في البحر الأحمر حيث الشعاب المرجانية حساسة. ثانياً: تصميم المحطات بحيث تسمح لاحقاً بإضافة وحدات استخلاص، دون أن يعتمد عليها التمويل الأول. ثالثاً: مشروع تجريبي صغير لاستخلاص الأملاح في محطة واحدة، تُنشر نتائجه قبل التوسع.
وأضيف أن نموذج الشراكة نفسه يحتاج وضوحاً في توزيع المخاطر. إذا كانت البنية التحتية ملكاً لشركة الكهرباء، والمحطة ملكاً لمستثمر خاص، فمن يتحمل تكلفة تعطل المأخذ المشترك؟ ومن يقرر جدول الصيانة؟ هذه الأسئلة التعاقدية تبدو تفصيلية، لكنها في تجارب كثيرة كانت سبب تأخير المشروعات أكثر من التقنية نفسها.
وهناك ملاحظة أخيرة: محطة التحلية الملاصقة لمحطة الكهرباء يجب أن يكون لها مصدر تغذية بديل، حتى لا يتوقف الماء كلما خرجت وحدة توليد للصيانة. مشاركة الموقع لا تعني بالضرورة مشاركة الأعطال.
دروس عملية للمهندس
- ادرس هيدروليكا المأخذ والمخرج. دمج التحلية مع محطة قائمة يبدأ بسؤال: هل يتحمل المأخذ تدفقاً إضافياً؟ وهل يكفي خلط المحلول الملحي مع مياه التبريد في كل أحوال التشغيل؟
- ضع سيناريو توقف محطة الكهرباء. إذا توقفت وحدات التبريد، تفقد التحلية ميزة التخفيف، فماذا يحدث لملوحة نقطة التصريف؟
- افصل الجدوى الأساسية عن الإضافية. احسب جدوى المياه وحدها، واعتبر المعادن عائداً محتملاً لا مضموناً.
- مهارات النمذجة البيئية البحرية مطلوبة. محاكاة انتشار المحلول الملحي ستكون شرطاً في كل مشروع من هذا النوع.

