79 محطة تحلية صغيرة بدل محطة عملاقة واحدة: البنك الأوروبي يدخل شريكاً في “ريدجوود” المصرية، فهل التحلية الموزعة حل أم مسكّن؟
ما الذي حدث؟
في 21 سبتمبر 2026 أفصح البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عن مشروع استثمار في الملكية بقيمة تصل إلى 32.1 مليون دولار (27.6 مليون يورو) في شركة RWD Investments BV، وهي منصة استثمار في البنية التحتية للمياه مسجلة في هولندا منذ 2019، ومملوكة بالكامل لشركة حسن علام للمرافق. وكان مجلس البنك قد صوّت على المشروع في 8 يوليو 2026، ونشرت Smart Water Magazine وArab Finance الخبر في 23 سبتمبر.
ويهدف الاستثمار إلى تمويل خطة توسع RWD في مصر، وتغطية تكاليف تطوير مشروعات مياه كبيرة مستقبلية بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
المشروع بالأرقام
- استثمار البنك: حتى 32.1 مليون دولار.
- الكلفة الإجمالية للمشروع: نحو 92.9 مليون دولار، أي أن مساهمة البنك نحو 35% منها.
- المنشآت: 79 منشأة لتحلية المياه في مدن ساحلية مصرية.
- العقود: تبيع الشركة المياه المحلاة بعقود بناء وتملك وتشغيل (BOO) وعقود تشغيل وصيانة، وتتولى شركتان تابعتان توزيع المياه لعملاء من القطاع الخاص.
- التصنيف البيئي: الفئة B، أي مخاطر محتملة لكنها قابلة للإدارة.
- تمويل سابق: في يناير 2026 منح البنك الشركة قرضاً حتى 350 مليون جنيه (6.4 مليون يورو) لإنشاء محطات صغيرة جديدة وتطوير منشآت قائمة على ساحلي البحر الأحمر والمتوسط، تضيف نحو 10 إلى 15 ألف متر مكعب يومياً.
الفكرة الهندسية: التحلية الموزعة
النموذج السائد في التحلية هو المحطة الكبيرة: مأخذ بحري ضخم، وسعة بمئات آلاف الأمتار المكعبة يومياً، وشبكة نقل طويلة. أما نموذج RWD فمختلف: عشرات المحطات الصغيرة، كل منها قريبة من عميلها، سواء كان فندقاً أو مصنعاً أو تجمعاً سياحياً.
ولهذا النموذج منطق واضح في السواحل المصرية: 1. لا شبكة بلدية. يقول البنك إن قطاعي السياحة والصناعة في المناطق الساحلية يفتقران إلى مياه البلدية بسبب الإطار التنظيمي القائم. فالمحطة الصغيرة هنا لا تنافس الشبكة، بل تعوض غيابها. 2. لا خط نقل طويل. إنتاج الماء بجوار مستخدمه يلغي كلفة الأنابيب والضخ لمسافات طويلة. 3. مياه جوفية مالحة بدل مياه البحر. بحسب ملف البنك البيئي، تأتي المياه أساساً من آبار مياه جوفية مالحة مرخصة. ومياه الآبار المالحة أقل ملوحة عادة من مياه البحر، فتحتاج إلى ضغط أقل وطاقة أقل في أغشية التناضح العكسي. 4. التخلص من المحلول الملحي بالحقن. يُحقن المحلول الملحي بضغط عالٍ في آبار تصريف عميقة معتمدة، بدل صرفه إلى البحر.
ويذكر الملف أيضاً أن العمليات القائمة لم تتطلب استملاك أراضٍ أو تهجير سكان، وأن ثلاثة من مشروعات الشراكة المستقبلية غير الملتزم بها بعد قد تُصنف في الفئة A الأعلى خطراً، فتحتاج إلى تقييم بيئي واجتماعي مستقل. وهذا يوحي بأن المرحلة التالية ستكون أكبر حجماً وأقرب إلى المحطات التقليدية.
حساب سريع: كم تكلف السعة الإضافية؟
قرض يناير البالغ 350 مليون جنيه يضيف 10 إلى 15 ألف متر مكعب يومياً. أي أن كلفة كل متر مكعب يومي من السعة الإضافية تتراوح بين نحو 23 ألفاً و35 ألف جنيه، أو قرابة 430 إلى 640 يورو. وهو رقم منخفض نسبياً، لأن جزءاً من الأعمال تطوير لمحطات قائمة لا بناء من الصفر، ولأن المحطات صغيرة لا تحتاج إلى مآخذ بحرية.
رأي: حل ذكي لقطاع محدد، بشرط مراقبة ما تحت الأرض
أرى أن نموذج التحلية الموزعة مناسب جداً لما صُمم له: منتجع على ساحل البحر الأحمر لا تصله الشبكة، أو مصنع في منطقة صناعية ساحلية. ودخول بنك تنموي شريكاً في الملكية، لا مقرضاً فقط، إشارة إلى ثقة بهذا السوق، وبقدرة شركة مقاولات مصرية كبيرة على بناء ذراع مرافق ناضجة.
لكن لدي ملاحظتان هندسيتان:
- الآبار المالحة مورد محدود. السحب المستمر من طبقات جوفية ساحلية قد يرفع ملوحتها مع الوقت، أو يسحب مياه البحر إليها. ومحطة صُممت لمياه بملوحة معينة قد تفقد كفاءتها إذا تغيرت ملوحة البئر. لذلك أرى أن مراقبة منسوب الآبار وملوحتها يجب أن تكون شرطاً في كل عقد، ونتائجها متاحة للجهات المنظمة.
- الحقن العميق يحتاج إلى رقابة طويلة. حقن المحلول الملحي في الأعماق يحمي البيئة البحرية، لكنه ينقل السؤال إلى ما تحت الأرض: هل الطبقة المستقبلة معزولة فعلاً عن طبقات المياه العذبة؟ وما الضغوط المسموح بها؟ وعشرات الآبار المتفرقة أصعب في الرقابة من مخرج بحري واحد.
ويبقى سؤال أكبر: التحلية الموزعة تخدم الفنادق والمصانع، لكنها لا تحل عجز مصر المائي البالغ نحو 7 مليارات متر مكعب سنوياً بحسب البنك. فهي تكمل المحطات الكبيرة والشبكات العامة، ولا تغني عنها.
دروس عملية للمهندس
- اختر الحجم حسب العميل. المحطة الصغيرة القريبة قد تكون أرخص من الكبيرة البعيدة حين تُحسب كلفة النقل.
- مصدر المياه يحدد التصميم. ملوحة البئر وتغيرها مع الزمن يحددان ضغط التشغيل وعمر الأغشية.
- التصريف جزء من المشروع. سواء إلى البحر أو إلى الأعماق، يحتاج المحلول الملحي إلى دراسة ورقابة مستمرة.
- افهم عقود بيع المياه. عقود BOO تجعل المشغل مسؤولاً عن الأداء سنوات طويلة، والمهندس الذي يجمع بين التشغيل والتحليل المالي مطلوب.
المصادر
- Smart Water Magazine، “EBRD takes equity stake to expand desalination in Egypt” (23 سبتمبر 2026)
- Zawya (عن Arab Finance)، “Egypt: EBRD approves up to $32.1mln equity investment in Hassan Allam Utilities’ RWD” (23 سبتمبر 2026)
- Early Warning System، “RWD Investments BV (EBRD-56502)” (إفصاح البنك 21 سبتمبر 2026)
- EBRD، “EBRD boosts secure and sustainable water supply in Egypt” (8 يناير 2026)

