الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
المغرب العربيرأي

ليبيا تشكّل لجنة لـ”استكمال جمع بيانات” سدودها مع اقتراب الأمطار: بعد ثلاث سنوات على كارثة درنة، الجرد يجب أن يسبق الموسم لا أن يرافقه

ماذا حدث؟

نقلت وكالة الأنباء الليبية مساء الأحد 25 أكتوبر 2026، ثم موقع “عين ليبيا” صباح الاثنين، أن المدير العام للمركز الوطني لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، الفيتوري عيسى، عقد اجتماعاً موسعاً حضره ممثلون عن وزارات الداخلية والحكم المحلي والموارد المائية، وهيئة السلامة الوطنية، والمركز الوطني للأرصاد الجوية، والمركز الليبي للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء.

ناقش الاجتماع أربعة محاور:

  • الوضع الفني للسدود.
  • تعزيز منظومات المراقبة والإنذار المبكر.
  • توحيد التنبيهات والإخطارات بين الجهات المعنية.
  • تحديد مخاطر الفيضانات والسيول والعوامل التي قد تزيدها.

وخلص إلى “تشكيل لجنة فنية متخصصة والفرق المنبثقة عنها” لثلاث مهام: استكمال جمع البيانات الفنية وتوثيق أوضاع السدود، وتحديد احتياجات المراقبة والإنذار المبكر، وإعداد توصيات وخطط عمل لرفع الجاهزية. ولم يذكر الخبر عدد السدود ولا أسماءها ولا موعداً لعمل اللجنة.

وفي اليوم نفسه دعا مركز طب الطوارئ والدعم المواطنين إلى تجنب مجاري الأودية وأماكن تجمع المياه تحسباً لـ”التقلبات الجوية المرتقبة”، بحسب الوكالة.

الخلفية والأرقام: ماذا علّمتنا درنة؟

في ليل 10 و11 سبتمبر 2023 انهار سدا وادي درنة، أبو منصور والبلاد، تحت أمطار العاصفة “دانيال”. وهذه أرقام موثقة من دراستين فنيتين:

  • نحو 350 ملم من المطر في 24 ساعة على حوض وادي درنة، بفترة تكرار تتجاوز ألف عام، بحسب دراسة منشورة في Nature Communications في مايو 2025.
  • نحو 160 مليون متر مكعب من الجريان السطحي، أي قرابة سبعة أضعاف السعة المجمعة للسدين (نحو 18 مليوناً لأبو منصور و1.5 مليون للبلاد بحسب الأرقام المعلنة).
  • 1.11 و1.07: معامل الأمان لسد أبو منصور في نموذج الدراسة إذا كان سليم الصيانة، ثم إذا كان قلبه الطيني متشققاً. الأول “مستقر بالكاد”، والثاني يعني انهياراً وشيكاً.
  • قدّرت الدراسة الوفيات بين 11 و24 ألفاً، بينما تذكر دراسة حالة لمعهد الجيوتقنية الأمريكي (Geo-Institute) أن الوفيات المؤكدة نحو 4 آلاف.
  • بحسب Geo-Institute: رُصدت شقوق في قواعد السدين عام 1998، وأوصى مهندسون إيطاليون بالإصلاح وببناء سد ثالث، وتعاقدت الدولة مع مقاول عام 2007، وبدأ العمل أواخر 2010، ولم يكتمل.

والنقطة الأهم في دراسة Nature Communications أن السدين حتى لو صمدا لما منعا الفيضان، لأن الجريان كان أكبر منهما بكثير. لكن الانهيار زاد المساحة المغمورة بنحو 45% مقارنة بسيناريو عدم وجود سدود أصلاً. والصيانة الجيدة، بحسب المؤلفين، ربما لم تكن لتمنع الانهيار، لكنها كانت ستؤخره وتمنح وقتاً للإخلاء.

شرح مبسط: ما الذي يتكون منه “برنامج سلامة السدود”؟

برنامج سلامة السدود ليس لجنة تجتمع، بل أربع وثائق حية لكل سد:

  1. سجل السد: نوعه وارتفاعه وسعته وتاريخ بنائه ومالكه، ونتائج آخر فحص.
  2. تصنيف الخطورة: ليس حسب حجم السد، بل حسب ما يقع تحته. سد صغير فوق مدينة أخطر من سد كبير فوق صحراء.
  3. برنامج فحص ومراقبة: زيارات دورية، وقياس الهبوط والتسرب، وأجهزة قراءة منسوب المياه. وتستطيع بيانات الأقمار الصناعية أن تكشف هبوطاً بالملليمترات، وقد أظهرت بيانات الفترة من 2016 إلى 2023 هبوطاً في سدي درنة بحسب Geo-Institute.
  4. خطة طوارئ: خريطة غمر تُظهر أين تصل المياه وفي كم دقيقة، ومن يأمر بالإخلاء، وبأي وسيلة يصل التحذير إلى الناس.

رأي: اللجنة صحيحة، والتوقيت هو المشكلة

أبدأ بما يُحسب للاجتماع: جمع في غرفة واحدة الجهة التي تملك المياه، والجهة التي ترى المطر، والجهة التي ترى الأرض من الفضاء، والجهة التي تُخلي الناس. وتوحيد الإنذار بين هذه الجهات ليس تفصيلاً، فدراسة Nature Communications نفسها تنقل عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الإنذار والإخلاء الفعالين كانا سيمنعان معظم الوفيات في درنة.

لكن عبارة “استكمال جمع البيانات الفنية وتوثيق أوضاع السدود” تقول شيئاً مقلقاً: بعد ثلاث سنوات على كارثة بهذا الحجم، ما زال السجل غير مكتمل، ونحن في أواخر أكتوبر، والجهات نفسها تحذر الناس من الأودية. الجرد عمل يُنجز في الصيف الجاف، حين يمكن الوصول إلى جسم السد وقياس تسربه. أما في موسم الأمطار فالأولوية للتشغيل والمراقبة والإخلاء.

والملاحظة الثانية أن الذي قاد الاجتماع هو مركز الطوارئ، وهو جهة استجابة. وأرى أن سلامة السدود يجب أن يكون لها “مالك” هندسي واضح لكل سد، يوقّع على حالته كل عام ويُسأل عنها، وجهة رقابية مستقلة عنه تراجع توقيعه. إذا كان الجميع حاضرين فقد يصبح لا أحد مسؤولاً.

وأقترح على اللجنة ثلاثة أشياء قابلة للقياس: أن تنشر خلال أسابيع قائمة بالسدود مصنفة حسب الخطورة على من يسكن تحتها، وأن تبدأ بالسدود الواقعة فوق التجمعات السكانية فتضع لكل منها خريطة غمر بسيطة ومسؤولاً عن أمر الإخلاء، وأن تحدد موعداً علنياً لتقريرها. والدرس لا يخص ليبيا وحدها. فكثير من سدود المنطقة العربية بُنيت في السبعينيات والثمانينيات مثل سدي درنة، والمطر الذي لم يأتِ منذ عقود ليس دليلاً على أنه لن يأتي.

دروس عملية للمهندس

  1. صنّف السد بما تحته لا بحجمه. الخطورة تُقاس بعدد الناس والمنشآت في مسار الغمر.
  2. الصيانة تشتري وقتاً. حتى حين لا تمنع الانهيار، قد تمنح ساعات للإخلاء، والساعات تنقذ الأرواح.
  3. التقرير القديم ليس سجلاً. شقوق 1998 في درنة كانت معروفة، والمشكلة أن المعرفة لم تتحول إلى قرار مؤرخ ومموَّل.
  4. خريطة الغمر جزء من التصميم. لا يكتمل سد فوق مدينة دون خريطة تُظهر أين تصل المياه إن انهار.
  5. رسالة إنذار واحدة. جهة واحدة تأمر بالإخلاء، ورسالة واحدة تصل إلى الناس، وتُختبر بتمرين قبل الموسم.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕