الأربعاء, أكتوبر 28, 2026
رأيمصر

انهيار عقار أبو سليمان في الإسكندرية: المبنى أنذر قبل أن يسقط، فمن كان يملك سلطة الإخلاء في تلك الساعة؟

ماذا حدث؟

قرابة الثامنة من مساء الثلاثاء 20 أكتوبر انهار العقار رقم 34 بشارع سعد زغلول، المتفرع من شارع الترعة المردومة في منطقة أبو سليمان، بنطاق قسم ثان الرمل في حي شرق الإسكندرية. والمبنى، بحسب القاهرة 24 وعكاظ، مكون من طابق أرضي وأربعة طوابق علوية، وكان الطابقان الأرضي والأول خاليين من السكان.

استمر البحث تحت الأنقاض طوال الليل، وانتهى يوم الأربعاء 21 أكتوبر بانتشال جثامين ثلاث فتيات، لتصل الحصيلة إلى خمسة قتلى ومصابتين، بحسب إرم نيوز، بعد أن أعلنت جهات الإنقاذ وفاة رجل وسيدة في الساعات الأولى، بحسب عكاظ وموقع يوليو. ووجّه محافظ الإسكندرية المهندس أيمن عطية بتشكيل لجنة هندسية برئاسة الدكتور علاء مرسي لمعاينة الموقع وفحص الحالة الإنشائية للمباني المحيطة، وأُخلي عقاران مجاوران تسكنهما 8 أسر، بحسب جريدة الدستور.

وفي ظهر الأربعاء انتقل فريق من النيابة الإدارية إلى الموقع مع مهندسي المكتب الفني بمديرية الإسكان والمرافق. وتبين من “نموذج الحالة الإنشائية” للعقار أن “نظامه الإنشائي يقوم على الحوائط الحاملة”، بحسب بوابة الأهرام. وطلبت النيابة ملف العقار من السجلات الرسمية، واستمعت إلى سكرتير عام الحي ومدير التنظيم وأحد السكان، وأمرت بتقرير فني عن أسباب الانهيار وسلامة المباني المجاورة. كما طلبت النيابة العامة ملف العقار من الحي لمعرفة ما إذا كان قد صدر بحقه قرار إزالة، وقال أحد السكان لعكاظ إنه، بحسب علمه، لم يصدر قرار كهذا.

الأرقام

  • 5 طوابق (أرضي و4 علوية)، والطابقان السفليان خاليان وقت الانهيار.
  • 5 قتلى بينهم ثلاث فتيات، ومصابتان نُقلتا إلى المستشفى.
  • عقاران مجاوران أُخليا، تسكنهما 8 أسر.
  • نظام إنشائي بالحوائط الحاملة، وفق نموذج الحالة الإنشائية الذي اطلعت عليه النيابة الإدارية.

شرح مبسط: كيف يسقط مبنى الحوائط الحاملة؟

في المبنى الخرساني الهيكلي تحمل الأعمدة والكمرات الأحمال، والجدران مجرد قواطع. أما في مبنى الحوائط الحاملة فالجدار نفسه هو العمود: كل حائط من الطوب أو الحجر ينقل وزن الأسقف والطوابق التي فوقه إلى الأساس. ولهذا يكون هذا النظام حساساً لثلاثة أشياء: الرطوبة التي تضعف المونة والطوب مع السنين، والهبوط غير المتساوي في التربة تحت الأساس، وأي تعديل يفتح فتحة جديدة أو يزيل جداراً في الطوابق السفلية.

والميزة الوحيدة لهذا النظام، إن صح تسميتها ميزة، أنه نادراً ما يسقط دون مقدمات. قبل الانهيار تظهر عادة شقوق مائلة حول الأبواب والنوافذ، وانتفاخ في الجدران، وأبواب تعلق فجأة في إطاراتها، وتساقط في البياض، وأحياناً أصوات طقطقة حين تتكسر المونة تحت الحمل. هذه علامات على أن الأحمال تبحث عن مسار جديد بعد أن فقدت مسارها الأصلي. وحين يبدأ ذلك قد تفصل الساعات أو الدقائق بين الشق الأول والانهيار.

وقال عيسى مرعي، شقيق إحدى الضحايا، إنه لاحظ تشققات وأصواتاً في العقار أثناء عودته من العمل، قبل أن يغادر المبنى، بحسب موقع يوليو. ولا نعرف بعد إن كانت هذه العلامات قديمة أم ظهرت في تلك الليلة فقط، وهذا ما يجب أن يجيب عنه التقرير الفني.

رأي: اللجنة تأتي بعد الانهيار، والمطلوب مهندس يأتي قبله

بعد كل انهيار في مصر يتكرر المشهد نفسه: لجنة هندسية، وإخلاء للمباني المجاورة، وطلب ملف العقار، وسؤال عن قرار إزالة. كل ذلك صحيح وضروري، لكنه يبدأ بعد أن يموت الناس. والسؤال الذي يطرحه عقار أبو سليمان مختلف: إذا رأى ساكن شقوقاً وسمع أصواتاً في السابعة مساءً، فمن يتصل به؟ ومن يملك سلطة أن يأمر بإخلاء المبنى فوراً؟ وكم يستغرق وصوله؟

في الغالب لا توجد إجابة واضحة. الحي يعمل في ساعات العمل، والحماية المدنية تتحرك بعد الانهيار لا قبله، والمهندس الخاص لا يملك سلطة الإخلاء. والساكن الذي يرى الشق يتردد، لأنه لا يملك مكاناً آخر، ولأنه لا يعرف هل الشق خطير أم قديم. وهكذا تضيع الساعات القليلة التي يمنحها مبنى الحوائط الحاملة قبل أن يسقط.

رأيي أن على كل محافظة فيها مخزون كبير من مباني الحوائط الحاملة القديمة، والإسكندرية في مقدمتها، أن تنشئ خطاً للبلاغات الإنشائية العاجلة يعمل على مدار الساعة، يقف خلفه مهندس مناوب مخول بقرار إخلاء مؤقت لمدة 72 ساعة دون انتظار لجنة. القرار المؤقت الخاطئ يكلف أسراً ليلتين في سكن بديل، أما القرار المتأخر فيكلف أرواحاً. وإلى جانب ذلك، فإن “نموذج الحالة الإنشائية” الذي اطلعت عليه النيابة يعني أن هناك بيانات عن هذه المباني. هذه البيانات يجب أن تتحول إلى سجل مخاطر رقمي، يرتب المباني بحسب نظامها الإنشائي وعمرها وحالتها، ويحدد أيها يحتاج إلى فحص دوري قبل أن يتحول الشق إلى خبر.

وأخيراً، اسم الشارع نفسه، “الترعة المردومة”، يشير إلى مجرى مائي رُدم في الماضي. لا أستطيع أن أقول إن التربة هي السبب، فهذا ما يحدده التقرير الفني وحده. لكن من حق سكان الإسكندرية أن يُنشر هذا التقرير كاملاً، وأن يتضمن فحص الأساسات والتربة، لا أن يُختصر في عبارة “عقار قديم”.

دروس عملية للمهندس

  1. تعلّم قراءة الشقوق في مباني الحوائط الحاملة. الشق المائل المتسع حول الفتحات، والانتفاخ، والأبواب التي تعلق فجأة، علامات تستدعي الإخلاء أولاً ثم الفحص.
  2. أخلِ ثم افحص. إذا شككت في سلامة مبنى حامل، فلا تبدأ بالقياسات والمبنى مأهول. الدعم المؤقت (Shoring) والإخلاء يسبقان أي تقرير.
  3. راقب الطوابق السفلية. أي فتحة جديدة أو هدم جدار في الدور الأرضي لمبنى حامل قد يغير مسار الأحمال لكل ما فوقه.
  4. اسأل عن تاريخ الأرض. الأراضي التي كانت مجاري مائية أو بركاً مردومة تستحق فحصاً جيوتقنياً قبل أي تعديل أو تعلية.
  5. وثّق ما تراه وأبلغ به كتابة. البلاغ المكتوب للحي بتاريخه يحول ملاحظتك من رأي إلى مسؤولية على الجهة التي تتسلمه.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕