أفريقيامشروعات

حين توقف الحرب سكة حديدية: حكم تحكيم بـ 307.6 مليون دولار في خط أواش كومبولتشا الإثيوبي، ومن يدفع ثمن المشروع المعلق؟

ما الذي حدث؟

أعلنت شركة يابي مركزي (Yapı Merkezi) التركية في 13 أكتوبر 2026 أن إجراءات التحكيم الدولي المتعلقة بمشروعها السككي في إثيوبيا انتهت لصالحها. وفي 14 أكتوبر نشرت International Railway Journal التفاصيل: محكم مستقل أمام محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) منح الشركة صافي 307.6 مليون دولار بعد خصم المطالبة المقابلة لمؤسسة السكك الحديدية الإثيوبية (ERC)، محسوباً حتى 30 يونيو، مع فائدة سنوية 9% على أصل المبلغ حتى السداد الكامل. ولم يُسدد المبلغ بعد، وتقول الشركة إنها ستتخذ الخطوات القانونية والتجارية اللازمة لتحصيله.

وكانت يابي مركزي قد طالبت بتعويض عن أضرار الحرب والمعدات المنهوبة والتأخير، بينما قدمت المؤسسة الإثيوبية مطالبة مقابلة عن خسائر نسبتها إلى تعليق العمل.

المشروع بالأرقام

  • الخط: أواش كومبولتشا هارا جبيا، بطول 392 كيلومتراً، يربط وسط إثيوبيا بشمالها.
  • العقد: هندسة وتوريد وإنشاء (EPC) بقيمة 1.7 مليار دولار، وُقع عام 2015، بتمويل من مؤسسات مالية أوروبية وتركية.
  • المنشآت: 12 نفقاً و52 جسراً، بحسب The Reporter الإثيوبية.
  • حالة العمل عند التوقف: معظم البنية التحتية مكتمل، مع مد القضبان على بعض المقاطع، حين عُلق العمل عام 2020 بسبب الحرب.
  • المطالبة الأولية للمقاول: مليار دولار عن أضرار الحرب، بحسب The Reporter.
  • الحكم: صافي 307.6 مليون دولار، وفائدة 9% سنوياً.

حساب سريع

  • نسبة الحكم من العقد: 307.6 مليون دولار تعادل نحو 18% من قيمة العقد الأصلية.
  • نسبة الحكم من المطالبة: المبلغ يعادل نحو 31% من المطالبة الأولية البالغة مليار دولار. وهذا يتسق مع قول نائب المدير التنفيذي للبنية التحتية في المؤسسة الإثيوبية، سيليشي كاسا، إن مهندسي الدولة نجحوا في رد أكثر من 70% من مطالبات المقاول.
  • كلفة الانتظار: فائدة 9% على 307.6 مليون دولار تعني نحو 27.7 مليون دولار في السنة، أي قرابة 2.3 مليون دولار شهرياً ما دام المبلغ غير مسدد.
  • كلفة الكيلومتر: 1.7 مليار دولار على 392 كيلومتراً تعني نحو 4.3 مليون دولار للكيلومتر، وهو رقم يشمل الأنفاق والجسور.

الدولة تكمل بنفسها

قبل الحكم بأيام، في 10 أكتوبر 2026، نشرت The Reporter أن الحكومة الإثيوبية تسلمت أعمال إعادة تأهيل الخط، وأن المؤسسة تستخدم عمالتها وآلاتها وموادها. وأصلح عمال الدولة نحو 70 كيلومتراً من السكة، وتستعد المؤسسة لتشغيل تجريبي قريب، وتهدف إلى إكمال المرحلة الأولى حتى كومبولتشا خلال عامين، ثم تقييم المرحلة الثانية. وتقول المؤسسة إن الأعمال المدنية الجارية بمعدات موجودة في الموقع لم تضف تكاليف كبيرة حتى الآن، لكن تقييم كلفة الإصلاح الكاملة مؤجل بسبب التحكيم.

الفكرة الهندسية والتعاقدية: ماذا يعني “التعليق”؟

في عقود الإنشاء الدولية يوجد فرق كبير بين حالتين:

  1. التأخير بسبب المقاول. هنا يتحمل المقاول الكلفة وقد يدفع غرامات.
  2. الحدث الاستثنائي. الحرب والاضطرابات تقع عادة تحت بنود “القوة القاهرة” أو “الأحداث الاستثنائية”. وهنا لا يُلام أحد على الحدث نفسه، لكن السؤال يصبح: من يتحمل كلفة الانتظار، وحراسة الموقع، وحماية الأعمال المنجزة، والمعدات المنهوبة، وإعادة التعبئة بعد انتهاء الحرب؟

والمشروع السككي المعلق أسوأ من مبنى معلق. فالردميات تتآكل بالأمطار دون صيانة التصريف، والقضبان والعوارض تُسرق أو تتلف، ومعدات الإشارات والكهرباء غير المركبة تفقد صلاحيتها. ولذلك يحتاج أي مشروع يُعلق إلى “جرد حالة” موثق في يوم التوقف، لأنه الأساس الوحيد لحساب ما أُنجز وما تلف لاحقاً.

رأي: الوثائق تكسب التحكيم قبل المحامين

أرى أن أهم ما في هذه القضية ليس الرقم النهائي، بل الفجوة بين مليار دولار مطلوبة و307.6 مليون محكوم بها. وهذه الفجوة يصنعها في الغالب التوثيق الهندسي: سجلات الكميات المنجزة، وتقارير الموقع اليومية، وصور حالة الأعمال، وقوائم المعدات بأرقامها. والطرف الذي يملك هذه السجلات هو الذي يحدد ما يُعتبر خسارة مثبتة.

لكن الحكم لا يحل المشكلة الأساسية. فإثيوبيا تكمل الخط بنفسها، وعليها في الوقت نفسه دين محكوم به تتراكم فوائده. وكلا المسارين يستهلك موارد كان يمكن أن تكمل المشروع. والحل الأفضل في مثل هذه الحالات تسوية تعيد المقاول أو تنقل معداته المتبقية بوضوح، بدل نزاع طويل حول التحصيل.

ويهم هذا المنطقة العربية كثيراً. ففي السودان وليبيا وسوريا واليمن مشروعات طرق وسدود ومحطات توقفت بسبب الحروب، وكثير منها سيعود يوماً إلى طاولة التفاوض أو التحكيم. وقد بدأت في سوريا مثلاً موجة عقود لإعادة الإعمار، والسؤال عن المشروعات القديمة المعلقة سيظهر حتماً.

دروس عملية للمهندس

  1. وثق يوم التوقف. جرد شامل للأعمال والمعدات والمواد بالصور والقياسات.
  2. احمِ ما أُنجز. صيانة التصريف وحراسة المواد أرخص من إعادة البناء.
  3. افهم بند القوة القاهرة في عقدك. من يتحمل كلفة الانتظار والحماية وإعادة التعبئة؟
  4. سجلات الموقع أدلة. التقارير اليومية الدقيقة هي ما يقلص المطالبات أو يثبتها.
  5. احسب كلفة الوقت. فائدة 9% على حكم غير مسدد تعني ملايين الدولارات كل شهر.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية