الصين تمنع مهندسي الذكاء الاصطناعي والبطاريات من السفر دون إذن: حين تصبح الخبرة “أمناً قومياً”، من يملأ الفراغ في مشاريعنا؟
ما الذي حدث؟
في 24 سبتمبر 2026 نشر موقع Inquirer الفلبيني تقريراً لإذاعة دويتشه فيله الألمانية يقول إن قواعد جديدة دخلت حيز التنفيذ في الصين في الأسبوع السابق، تمنح السلطات صلاحية منع المهندسين والمؤسسين والمتخصصين من السفر إلى الخارج إذا رأت أن خبرتهم في البطاريات أو المعادن النادرة أو الذكاء الاصطناعي تمثل تهديداً لـ”الأمن الصناعي والتقني”. ويضيف التقرير أن الصين شددت أيضاً قواعد الاستثمار الخارجي، وقيدت إيفاد الكوادر الفنية للعمل في الخارج.
وفي 28 سبتمبر نقل موقع Crypto Briefing عن وكالة بلومبرغ أن الصين وسعت قيود السفر لتشمل أفراد أسر كبار التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق الخاصة، بحيث يحتاج الأقارب إلى موافقة حكومية مسبقة قبل مغادرة البلاد.
الأرقام والتسلسل
- مارس 2026 تقريباً: تقارير عن تسليم موظفين في DeepSeek جوازات سفرهم، وفرض حظر سفر على مؤسسي شركة Manus للذكاء الاصطناعي.
- مايو 2026: أصبح الإذن المسبق شرطاً رسمياً لكبار الباحثين والتنفيذيين في شركات ذكاء اصطناعي خاصة مثل Alibaba وDeepSeek، بحسب بلومبرغ.
- 15 سبتمبر 2026: دخول قواعد وطنية تحدد عقوبات لمخالفات الأمن الصناعي والتقني حيز التنفيذ.
- أواخر سبتمبر 2026: امتداد شرط الموافقة المسبقة إلى أسر كبار التنفيذيين.
- ملياري دولار قيمة صفقة حاولت بها Meta الاستحواذ على Manus، وأوقفتها بكين، بحسب DW.
- يناير 2025: تقرير سابق لبلومبرغ عن ضغوط على المهندسين الصينيين الذين يساعدون شركات أجنبية في بناء مصانع في فيتنام والهند.
ولا تذكر المصادر عدد المتأثرين، ولا يوجد بيان رسمي صيني يحدد القوائم.
شرح مبسط: لماذا تحمي دولة “عقول” مهندسيها؟
في صناعات مثل البطاريات ومعالجة المعادن النادرة، جزء كبير من القيمة لا يوجد في براءات الاختراع المنشورة، بل في “المعرفة الضمنية”: كيف تُضبط درجة حرارة الفرن، وأي شائبة تفسد دفعة كاملة من الكاثود، وكيف يُرفع مردود خط الإنتاج من 70% إلى 95%. هذه المعرفة تعيش في رؤوس المهندسين وتنتقل بالعمل المشترك. ولهذا ترى الصين أن خروج مهندس خبير لبناء مصنع في بلد آخر قد ينقل سنوات من التعلم في أشهر.
وتقول ألِسيا غارسيا هيريرو من بنك Natixis، بحسب DW، إن قيود المواهب أهم من قيود رأس المال، لأن المال يمكن أن يتحرك ببطء مع الموافقات، أما الكوادر الماهرة فلا يسهل استبدالها.
كيف يتأثر الخبراء الأجانب أيضاً؟
لا تقتصر القيود على الصينيين المغادرين. فبحسب DW، تحذر شركة المحاماة DLA Piper عملاءها من أن الشركات والموظفين أحياناً يقدمون زيارات العمل الفنية على أنها سياحة أو اجتماعات تجارية لتجنب التدقيق وتأخير التأشيرات، وأن أي تناقض في طلب التأشيرة قد يجلب حظر دخول يصل إلى خمس سنوات. كما حذرت الخارجية الأمريكية في سبتمبر من حظر سفر يُفرض “دون إجراءات عادلة وشفافة”.
وهذا يعني للمهندس العربي الذي يزور مصانع أو موردين في الصين لأغراض فنية أن يكون دقيقاً في تأشيرته ووثائق زيارته. فالبيئة التنظيمية حول نقل المعرفة التقنية صارت أكثر حساسية من الجانبين.
رأي: الدرس ليس عن الصين، بل عن اعتمادنا عليها
في رأيي، المنطقة العربية معنية بهذا الخبر أكثر مما يبدو. فمصانع البطاريات وخطوط الألواح الشمسية ومشاريع تخزين الطاقة التي تُعلن في المغرب ومصر والسعودية والإمارات تعتمد بدرجة كبيرة على شركاء صينيين، وعلى مهندسين صينيين يركّبون الخطوط ويشغلونها ويدربون الفرق المحلية. فإذا صار سفر هؤلاء الخبراء خاضعاً لموافقات أمنية، فقد تتأخر مراحل التشغيل، أو تصل الخبرة بجرعات أقل مما وعدت به العقود.
لكنني أرى في ذلك فرصة أيضاً. فكل قيد على حركة الخبير الأجنبي يرفع قيمة المهندس المحلي الذي تعلّم فعلاً. والمصنع الذي يملك مهندسين عرباً قادرين على تشغيل الخط وصيانته دون انتظار خبير يأتي بالطائرة هو مصنع أكثر أماناً. لذلك على المهندس العربي في هذه المشاريع ألا يكتفي بدور المترجم أو المنسق بين الخبير الصيني والعمال، بل أن يطلب الدخول في تفاصيل العملية نفسها.
وأتحفظ على أمر: معظم التقارير مبنية على مصادر غير رسمية، وبكين لم تؤكد ولم تنفِ تفاصيل كثيرة. لذلك لا ينبغي المبالغة في تصوير حجم القيود، لكن الاتجاه واضح.
دروس عملية للمهندس
- اطلب نقل المعرفة كتابة. إذا كنت في مشروع بشريك أجنبي، فادفع نحو أن تُوثّق إجراءات التشغيل وضبط العملية في وثائق يحتفظ بها الفريق المحلي، لا في رؤوس الخبراء.
- تعلّم الجزء الصعب لا السهل. التشغيل اليومي سهل التعلم، أما ضبط المردود ومعالجة الأعطال غير المعتادة فهو ما يجعلك لا تُستبدل.
- ابنِ مهارات في الكيمياء الكهربائية والمواد. صناعة البطاريات والمعادن الحرجة ستحتاج في المنطقة إلى مهندسين يفهمون ما وراء الخط.
- قيّم مخاطر الاعتماد على خبير واحد. إذا كنت مدير مشروع، فاسأل: ماذا يحدث لو تأخر الخبير الأجنبي ستة أشهر؟ وابنِ خطة تدريب احتياطية.
- راقب سياسات انتقال الكفاءات. كما تقيد الصين خروج مهندسيها، تتنافس دول أخرى على جذبهم. فهم هذه السياسات يساعدك في التفاوض على دورك في أي شراكة.
المصادر
- Inquirer.net (عن DW)، “China’s new travel rules unsettle tech giants and talent” (24 سبتمبر 2026)
- Crypto Briefing (عن Bloomberg)، “China expands travel restrictions to families of top AI and chip executives” (28 سبتمبر 2026)
- Fudzilla (عن Bloomberg)، “China tightens grip on AI talent” (11 أغسطس 2026)

