الضوء يسافر في الهواء لا في الزجاج: ألياف “مجوفة النواة” تعمل فعلياً تحت لندن، وماذا تعني 30% أقل في زمن الاستجابة لمراكز البيانات الخليجية
ما الذي حدث؟
في 14 أكتوبر 2026 أعلنت Colt Technology Services أنها نفذت مع شركة Relativity Networks، صاحبة ألياف ChronoCore المجوفة، وشركة Network Planning Solutions (NPS) البريطانية، إثبات مفهوم يربط موقعين من شبكتها في وسط لندن. وبحسب موقع DCD، تولت NPS تركيب الألياف ولحامها واختبارها والتحقق منها، والوصلة تعمل الآن ضمن البنية الحية للشبكة.
وتُصنع ألياف ChronoCore في منشأة شركة Prysmian الإيطالية في آيندهوفن بهولندا، ثم تُحول إلى كابلات في مصنعها في كليرمونت بولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية. وكانت Prysmian وRelativity قد أعلنتا في يوليو 2026 اختبار أعلى كابل كثافة لهما حتى الآن، يضم 24 ليفة مجوفة في قطر 10 مليمترات، وجرى تركيبه بتقنية الدفع بالهواء بسرعة وصلت إلى 350 قدماً في الدقيقة.
الأرقام والمعطيات
- الموقع: وصلة بين موقعين من شبكة Colt في وسط لندن، تعمل حالياً.
- الميزة المعلنة: خفض زمن الاستجابة بنحو 30%.
- ما لم يُعلن: طول الوصلة، والفقد البصري المقاس، والسعة.
- كثافة الكابلات: 24 ليفة مجوفة في كابل قطره 10 مم (تجربة Prysmian في يوليو 2026).
- نصف قطر الربط: بحسب Relativity، يرتفع الحد العملي للمسافة بين مراكز بيانات مترابطة من 60 كيلومتراً إلى 90 كيلومتراً. وبحسب مايكروسوفت، يتسع نصف القطر المعتاد 80 كيلومتراً حول مركز البيانات إلى 120 كيلومتراً.
شرح مبسط: لماذا الهواء أسرع من الزجاج؟
الليف الضوئي التقليدي خيط من زجاج السيليكا النقي، ينتقل فيه الضوء داخل نواة زجاجية محبوساً بالانعكاس الكلي الداخلي. والمشكلة أن الضوء في الزجاج أبطأ منه في الفراغ أو الهواء، لأن معامل انكسار الزجاج نحو 1.47. وبحساب بسيط، يقطع الضوء في الليف العادي الكيلومتر في نحو 4.9 ميكروثانية، بينما يقطعه في الهواء في نحو 3.3 ميكروثانية. والفرق يقارب الثلث، وهو مصدر رقم الـ30%.
أما الليف المجوف فنواته قناة هوائية، يحيط بها حلقة من أنابيب زجاجية دقيقة جداً مرتبة كخلية النحل. وهذه الأنابيب لا تنقل الضوء بنفسها، بل تعمل كجدار يحبسه داخل القناة الهوائية. وبما أن الضوء لا يمر تقريباً في الزجاج، تقل أيضاً مشكلات أخرى مرتبطة بالمادة، مثل تشتت الألوان، والتأثيرات غير الخطية التي تحد من قدرة الإشارة التي يمكن إدخالها في الليف العادي.
وهناك ميزة ثالثة أقل شهرة. ففي الليف العادي توجد “نقطة مثلى” لقدرة الإشارة المرسلة، وإذا تجاوزتها تبدأ الإشارة بالتشوه داخل الزجاج نفسه. أما في الليف المجوف، فتقول مايكروسوفت إن حدود القدرة تتعلق أساساً بالسلامة، وهو ما قد يسمح بمسافات أطول دون مضخمات وسيطة. كما أعلنت مايكروسوفت، التي اشترت شركة Lumenisity البريطانية المتخصصة في هذه الألياف عام 2022، أنها سجلت عام 2024 أقل فقد بصري لليف عند طول الموجة 1550 نانومتر.
ولماذا تهم الميكروثانيات؟ لأن مراكز البيانات الحديثة، خصوصاً المخصصة للذكاء الاصطناعي والتطبيقات المالية، تحتاج أن تتصرف مجموعة مبانٍ متباعدة كأنها مبنى واحد. وكل كيلومتر من الألياف يضيف تأخيراً ذهاباً وإياباً. فإذا كان التطبيق لا يحتمل إلا قدراً معيناً من التأخير، فإن الليف الأسرع يعني أنك تستطيع وضع المبنى الثاني أبعد، حيث الأرض أرخص والكهرباء متاحة.
رأي: التقنية جاهزة للمسارات القصيرة، لا للجميع بعد
أرى أن قيمة خبر لندن ليست في الرقم 30%، فهو معروف من الفيزياء، بل في أن الوصلة تعمل داخل شبكة تجارية حية في وسط مدينة مزدحمة، وأن شركة تركيب مستقلة لحمت الألياف واختبرتها. فالعائق الحقيقي أمام الألياف المجوفة كان دائماً عملياً: التصنيع المعقد، واللحام والتوصيل بالألياف العادية، والتركيب في مجاري الكابلات القائمة، والكلفة. وكل وصلة حقيقية تقلل هذه المخاوف.
لكن علينا أن نكون واقعيين. فالشركة نفسها لم تعلن طول الوصلة ولا الفقد المقاس، والصناعة تعترف بأن هذه الألياف لم تصل بعد إلى حجم إنتاج الألياف العادية ولا إلى سعرها. ولن تدخل البيوت قريباً. مكانها الطبيعي في السنوات القادمة هو الوصلات بين مراكز البيانات، وشبكات التداول المالي، والمسارات الأساسية حيث تساوي كل ميكروثانية مالاً.
ولماذا يهمنا في المنطقة العربية؟ لأن الرياض وأبوظبي ودبي والدار البيضاء والقاهرة تبني مجمعات مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، وغالباً ما تُبنى خارج المدن قرب محطات الكهرباء. واتساع نصف القطر المسموح من 60 إلى 90 كيلومتراً، إن تحقق تجارياً، يعطي المخططين حرية أكبر في اختيار مواقع تتوفر فيها الطاقة والماء والأرض. وأقترح أن يدرج مخططو هذه المجمعات خيار الألياف المجوفة في دراسات الربط من الآن، ولو لمسار واحد تجريبي، حتى يكتسب المهندسون المحليون خبرة اللحام والاختبار قبل أن تصبح التقنية مطلوبة على نطاق واسع.
دروس عملية للمهندس
- احسب ميزانية التأخير بالكيلومتر. نحو 4.9 ميكروثانية لكل كيلومتر في الليف العادي، ونحو 3.3 في الهواء.
- ميز بين الوعد والقياس. اسأل دائماً عن الطول والفقد المقاس والسعة الفعلية في أي إعلان.
- التركيب واللحام مهارة نادرة. من يتقنها مبكراً في الألياف المجوفة سيكون مطلوباً.
- ادرس المسار قبل الموقع. موقع مركز البيانات يتحدد أيضاً بزمن الوصول إلى المراكز الأخرى.
المصادر
- DCD، “Colt, Relativity Networks, NPS deliver hollow-core fiber proof of concept on London network” (14 أكتوبر 2026)
- DCD، “Prysmian, Relativity Networks pair to deploy their highest-density hollow core fiber cable so far” (24 يوليو 2026)
- DCD، “Hollow core fiber: What is it and why does it matter?” (10 أبريل 2025)

