أبراج في التضامن ومارينا في اللاذقية: اتفاق “إيغل هيلز” مع سوريا يفتح باب الإعمار العقاري، فمن يبني ملايين المساكن التي تنقص البلاد؟
ما الذي حدث؟
في 5 أكتوبر 2026 وقّع محمد العبار، رئيس مجلس إدارة إيغل هيلز ومؤسس إعمار العقارية، اتفاقاً إطارياً مع الحكومة السورية في القصر الرئاسي بدمشق بحضور الرئيس أحمد الشرع، بحسب وكالة فرانس برس عبر Arab News.
ويشمل الاتفاق مشروعين. الأول قرب دمشق ويضم شققاً وفللاً وفنادق ومحلات تجارية، والثاني مشروع سكني وسياحي بمارينا قرب اللاذقية. وذكرت Al-Monitor نقلاً عن وكالة سانا أن المشروعين ينتقلان مباشرة إلى التنفيذ تحت اسمي “أبراج التضامن” في دمشق و”إيكو لايف” في اللاذقية، بوصفهما مجتمعات متكاملة تجمع السكن والسياحة والخدمات والمساحات العامة.
ولم تُعلن السلطات قيمة المشروعين ولا موعد إنجازهما. لكن Bloomberg كانت قد ذكرت في يوليو أن قيمتهما لا تقل عن 20 مليار دولار، بحسب فرانس برس. وتربط Semafor الاتفاق بخطة العبار لاستثمار 18 مليار دولار في سوريا، وتذكر أن شركة أرادا الشارقية تخطط بدورها لمشروع بقيمة 7 مليارات دولار غرب دمشق.
الأرقام الأهم ليست أرقام المشروع
- أكثر من 216 مليار دولار: تقدير البنك الدولي لكلفة إعادة إعمار سوريا، بحسب فرانس برس.
- أكثر من مليوني وحدة سكنية: العجز المتوقع بحلول 2030 إن لم يحدث تحرك فوري، بحسب وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق.
- أكثر من 40 ألف وظيفة: مباشرة وغير مباشرة، بحسب وزير السياحة مازن الصالحاني.
- نحو 20 ألف وحدة: مشروع أُعلن في يونيو مع شركة سعودية قرب دمشق.
- 13 عاماً وأكثر: مدة الحرب.
حساب سريع
لو قسمنا مليوني وحدة على أربع سنوات حتى 2030، لاحتاجت سوريا إلى نحو 500 ألف وحدة سنوياً، أي أكثر من 1300 وحدة يومياً. وحتى مشروع الـ 20 ألف وحدة، وهو كبير بمقاييس أي سوق، يغطي نحو 1% فقط من العجز المعلن. الأرقام وحدها تقول إن الحل لا يمكن أن يأتي من مشروعات قليلة كبرى.
لماذا يتجه المطورون الخليجيون إلى سوريا الآن؟
تقدم Semafor تفسيرين. الأول أن مطوري العقارات الإماراتيين يبحثون عن نمو خارج سوق محلية مشبعة. والثاني أن الاستثمار الخليجي في إعادة إعمار سوريا يتسق مع المصالح الأمريكية، ويملأ فراغاً تركه تراجع نفوذ إيران وروسيا بعد سقوط النظام السابق في 2024. وقال العبار إن سوريا “تستحق عودة أهلها والمضي في عملية إعادة الإعمار”، بحسب فرانس برس.
ومعنى ذلك للمهندس أن السوق السورية ستتشكل في السنوات القادمة بتمويل خليجي ومعايير تصميم وإدارة خليجية، وأن الشركات التي تعمل في الخليج اليوم قد تجد نفسها في دمشق واللاذقية غداً.
الفكرة الهندسية: البناء في حي متضرر ليس كالبناء في أرض فضاء
حين يُبنى مشروع جديد في حي تعرض لدمار واسع، تبدأ المسألة قبل وضع الأساسات بكثير:
- إدارة الأنقاض: إزالة كميات ضخمة من الركام، وفرز ما يمكن إعادة تدويره كركام خرساني مكسر في طبقات الطرق والردم، والتعامل الآمن مع ما قد يبقى من ذخائر غير منفجرة.
- تقييم المباني القائمة: ليس كل مبنى متضرر يستحق الهدم. والتقييم الإنشائي يحدد ما يُدعّم وما يُهدم، وهو عمل يحتاج مهندسين مدربين ومعايير واضحة.
- البنية التحتية تحت الأرض: شبكات المياه والصرف والكهرباء في الأحياء المتضررة غالباً مدمرة أو مجهولة الحالة. ومسحها وإعادة بنائها يسبق أي برج.
- الملكية والسجلات: قبل أي تصميم، يجب أن يُعرف من يملك الأرض، وما حقوق السكان السابقين. وهذا ليس عملاً هندسياً بحتاً، لكن المهندس المساح جزء أساسي منه.
رأي: الأبراج تجذب المال، والسكن الميسر يعيد الناس
أرى أن دخول مطور بحجم إيغل هيلز إشارة ثقة مهمة لسوق تحتاج رأس المال قبل أي شيء. والمشروعات الكبرى تجلب معها معايير تصميم وإدارة وتمويل قد تفيد القطاع كله.
لكن لدي ثلاث ملاحظات:
- المشروع الفاخر لا يسد عجزاً بمليوني وحدة. الفلل والفنادق والمارينا تخدم شريحة محددة، وأزمة السكن السورية أزمة وحدات ميسرة بالأساس. والمطلوب أن ترافق المشروعات الكبرى برامج سكن ميسر بأنظمة إنشاء سريعة.
- الإطار ليس عقداً. الاتفاق إطاري، ولم تُعلن قيمة ولا جدول. والحكم على المشروع يبدأ مع أول عقود التصميم والتنفيذ.
- الأولوية للمقاول والمورد المحلي يجب أن تُقاس. قال العبار إنه سيعطي الأولوية للمقاولين السوريين والمواد المحلية، بحسب Semafor. وهذا وعد جيد إن تحول إلى نسب محددة في العقود.
ويهم الخبر المهندس العربي مباشرة: فإعادة إعمار سوريا ستكون من أكبر أسواق الإنشاء في المنطقة خلال العقد القادم، وستحتاج مهندسين إنشائيين ومساحين ومتخصصين في البنية التحتية وإدارة الأنقاض، لا مصممي أبراج فقط.
دروس عملية للمهندس
- الأنقاض مورد. خطة تدوير الركام توفر مواد وتخفض كلفة النقل.
- قيّم قبل أن تهدم. التقييم الإنشائي المنهجي يحفظ مباني صالحة للتدعيم.
- ابدأ من تحت الأرض. حالة الشبكات تحدد جدول المشروع أكثر من الأبراج.
- فرّق بين الإطار والعقد. خطط مواردك على العقود الموقعة لا على الإعلانات.

