آسيارأي

قطار “ووش” الإندونيسي ينتقل إلى وزارة المالية: مشروع وُعد بأنه لن يكلف الموازنة شيئاً، فمن يدفع ثمن السرعة؟

ماذا حدث؟

في 10 أكتوبر 2026 أعلنت المديرة العامة لأصول الدولة في وزارة المالية الإندونيسية، إيفيتا مانثوفاني، أن الحكومة تصوغ إطاراً قانونياً في شكل لائحة رئاسية لنقل أسهم شركة PSBI، الكونسورتيوم المحلي الذي يملك 60% من شركة KCIC المشغلة لقطار “ووش”، إلى وزارة المالية. وسيدار الأصل عبر “مركبة مهمة خاصة” تابعة للوزارة، تقول الحكومة إنها ستفصل الالتزامات التجارية عن الموازنة مباشرة، بينما يحتفظ الكونسورتيوم الصيني بالحصة الباقية البالغة 40%.

وجاءت الخطوة بعد زيارة قام بها لوهوت بنسار بانجايتان، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني، إلى الصين بين 15 و18 سبتمبر، قال بعدها إن الجانب الصيني لا يعترض على آلية السداد المقترحة، مضيفاً: “لا يمكننا أن نترك هذه القضية تطول لأنها ستضرنا في النهاية”.

الأرقام

  • 142 كيلومتراً طول الخط الأول بين جاكرتا وباندونغ، افتُتح عام 2023 بعد ثماني سنوات من فوز المشروع الصيني بالعقد.
  • نحو 7.3 مليار دولار الكلفة الإجمالية، منها نحو 1.2 مليار تجاوزات بحسب جامعة ملبورن.
  • 4.5 مليار دولار القرض الأصلي من بنك التنمية الصيني بأجل 40 عاماً وفترة سماح 10 سنوات، ثم قروض إضافية لتغطية التجاوز، بحسب رويترز.
  • 2% فائدة القرض الأصلي و3.4% فائدة قرض تغطية التجاوز، مقابل 0.1% في العرض الياباني المنافس الذي رُفض.
  • 80 عاماً أجل السداد بعد إعادة الهيكلة، بأقساط سنوية تقارب تريليون روبية بحسب تصريحات سابقة لوزير المالية.
  • 4.2 تريليون روبية خسائر تشغيلية في 2024، و1.6 تريليون في النصف الأول من 2025.
  • نحو 700 كيلومتر امتداد مقترح شرقاً إلى سورابايا، دون إعلان عن طريقة تمويله.

شرح مبسط: لماذا يصعب أن يسدد قطار سريع ديونه من التذاكر؟

القطار السريع مشروع كلفته الرأسمالية هائلة في البداية: أرض، وجسور وأنفاق بنسبة كبيرة من المسار، وقطارات، وأنظمة إشارات وكهرباء. أما إيراده فيأتي ببطء على مدى عقود، ويعتمد على عدد الركاب وسعر التذكرة، والسعر لا يمكن رفعه كثيراً لأن الطريق والحافلة والطائرة منافسة.

لذلك نادراً ما تغطي التذاكر كلفة البناء مع فوائدها. ما يحدث في أغلب الشبكات الناجحة أن الدولة تتحمل البنية الأساسية بوصفها استثماراً عاماً، وتُترك للمشغل كلفة التشغيل والصيانة، وأحياناً تُموّل جزءاً من البناء من تطوير الأراضي حول المحطات. أما حين يُحمَّل المشغل كلفة البناء كاملة بقروض تجارية، فإن خطأ صغيراً في تقدير الركاب أو تأخيراً في التنفيذ يتحول إلى أزمة ديون.

رأي: كذبة “بلا كلفة على الدولة” أغلى من الكلفة نفسها

ما يلفتني في قصة “ووش” أن المشروع، بحسب جامعة ملبورن، صُمم في البداية ليُبنى ويُشغّل دون تدخل حكومي، بين شركات حكومية إندونيسية وصينية، وبتمويل تجاري. كان ذلك جزءاً من جاذبية العرض الصيني أمام العرض الياباني الأرخص فائدة. وبعد عشر سنوات تقريباً، ينتهي المشروع حيث كان يجب أن يبدأ: في وزارة المالية.

لا أقول إن القطار خطأ. هو يعمل، ويختصر الرحلة، ويخفف الزحام كما يقول الرئيس برابوو. الخطأ كان في الرواية المالية. حين تقول الحكومة إن مشروع بنية تحتية ضخماً لن يكلف الموازنة شيئاً، فهي لا تلغي الكلفة، بل تؤجلها وتضيف إليها فوائد أعلى وتعقيداً قانونياً. والثمن يُدفع في النهاية من المال العام، لكن بعد أن ضاعت فرصة الحصول على تمويل أرخص وتصميم عقد أوضح.

وأظن أن هذا الدرس مهم جداً لمنطقتنا. مصر تبني شبكة قطار سريع طويلة، والسعودية لديها قطار الحرمين، والخليج يخطط لربط سككي، والعراق يتحدث عن طريق التنمية. وفي كل مشروع من هذه سيُطرح السؤال نفسه: من يتحمل كلفة البناء؟ وأتمنى أن يُجاب عنه بصراحة في البداية: البنية التحتية عامة، والإيرادات تغطي التشغيل في أحسن الأحوال، وما زاد فهو مكسب.

والمهندس ليس بعيداً عن هذا النقاش كما يظن. تقدير الركاب، واختيار نسبة الجسور والأنفاق، وموقع المحطات بعيداً عن مراكز المدن أو قريباً منها، كلها قرارات هندسية تحدد الإيراد والكلفة معاً. والمحطة التي توضع في أرض رخيصة بعيدة توفر في البناء وتخسر في الركاب لعقود.

وفي القصة تفصيلة أخرى تستحق التوقف. الحكومة الإندونيسية تتحدث عن مد الخط 700 كيلومتر إلى سورابايا، بل إلى بانيووانغي، قبل أن تُحسم ديون أول 142 كيلومتراً. وقد قال الوزير أغوس هاريمورتي يودويونو، المكلف بملف التمديد، إن المشكلة المالية يجب أن تُحل “أولاً”. وهذا في رأيي الموقف الهندسي والمالي الصحيح: لا تبنِ المرحلة الثانية بالمنطق الذي أوقع الأولى في الأزمة.

دروس عملية للمهندس

  1. افصل البنية عن التشغيل. في دراسات الجدوى، احسب كلفة البناء وكلفة التشغيل وإيراداتها كلاً على حدة، ولا تخلطها في رقم واحد.
  2. الفائدة جزء من التصميم. فرق بين 0.1% و3.4% على مليارات الدولارات قد يساوي قيمة المشروع كله على مدى أجل القرض.
  3. احسب التجاوز مسبقاً. التأخير والأرض وكلفة البناء ليست مفاجآت، بل مخاطر يجب أن تُسعَّر في العرض.
  4. لا تمدد قبل أن تتعلم. المرحلة الثانية يجب أن تُبنى على أرقام تشغيل المرحلة الأولى الفعلية، لا على التوقعات الأولى.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية