الليثيوم من ماء آبار النفط: عقد NESR وأرامكو بـ200 مليون دولار يختبر هل تصبح “المياه المصاحبة” منجماً سعودياً
ما الذي حدث؟
في 8 أكتوبر 2026 أعلنت شركة National Energy Services Reunited، المعروفة باسم NESR والمدرجة في بورصة ناسداك، توقيع اتفاقية مع أرامكو لتنفيذ ما سمّته “مشروع أرامكو 2027 التجريبي لليثيوم” في المملكة العربية السعودية. وتنفذ المشروع وحدة تابعة للشركة اسمها NEDA، تعمل في تطبيقات البيئة وخفض الانبعاثات، عبر منصة تقنية تحمل اسم LiThara.
وبعد ذلك بأسبوع، وخلال مؤتمر WPC Energy الخامس والعشرين في الرياض، تحدث رئيس الشركة التنفيذي شريف فودة عن المشروع، وقال إن المملكة تملك “بيئة غنية جداً من المياه” التي يمكن استخلاص الليثيوم منها. وتناولت جريدة باور نيوز المصرية تصريحاته في اليوم نفسه.
الأرقام الأساسية
- قيمة العقد: نحو 200 مليون دولار، لمدة تصل إلى خمس سنوات.
- الإنتاج المستهدف: 2000 طن سنوياً من كربونات الليثيوم بدرجة البطاريات.
- الموعد: التشغيل وبدء الإنتاج في أواخر 2027.
- التقنية: معالجة أولية، ثم استخلاص مباشر لليثيوم (DLE)، ثم تحويل إلى كربونات، في عملية متكاملة بوحدات معيارية.
- توزيع الأدوار: NESR تقدم التقنية والتنفيذ، وأرامكو تقدم خبرتها في المكامن وما تحت السطح.
- ما لم يُعلن: موقع المنشأة، وتركيز الليثيوم في المياه المستخدمة، وخطة التسويق بعد المرحلة التجريبية، بحسب رويترز.
شرح مبسط: كيف يخرج الليثيوم من ماء مالح؟
حين يُستخرج النفط، يخرج معه ماء مالح من باطن الأرض يُسمى “المياه المصاحبة”. هذه المياه بقيت في الصخور ملايين السنين، فذابت فيها أملاح ومعادن كثيرة، منها الليثيوم بتركيزات منخفضة غالباً. وعادة تُعامل هذه المياه بوصفها عبئاً: تُفصل عن النفط وتُعالج ثم يُعاد حقنها في المكامن أو يُتخلص منها.
الطريقة التقليدية لاستخراج الليثيوم من المحاليل الملحية، كما في أمريكا الجنوبية، هي برك التبخير: يُضخ المحلول إلى أحواض واسعة تحت الشمس، ويتبخر الماء خلال شهور طويلة حتى يتركز الليثيوم. هذه الطريقة تحتاج مساحات هائلة ووقتاً طويلاً، ولا تناسب محاليل منخفضة التركيز.
أما الاستخلاص المباشر فيعمل بمنطق مختلف تماماً. بدلاً من تبخير الماء كله، يمر المحلول على مادة انتقائية تلتقط أيونات الليثيوم وتترك الصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم وغيرها تمر. ثم تُغسل هذه المادة لتحرير الليثيوم في محلول أنقى وأكثر تركيزاً. وتسبق ذلك خطوة “المعالجة الأولية” لإزالة بقايا النفط والمواد العالقة التي قد تسد المادة الانتقائية أو تتلفها. وفي النهاية تأتي خطوة “الكربنة”، حيث يتفاعل الليثيوم ليترسب كربونات ليثيوم صلبة، وهي المادة الخام التي تدخل صناعة كاثودات البطاريات.
ولهذا تصف NESR حلها بأنه “معياري”: وحدات يمكن نقلها وتركيبها قرب مصدر المياه، بدلاً من مصنع ضخم ثابت.
لماذا “تجريبي” ولماذا 2000 طن؟
رقم 2000 طن سنوياً صغير بمقاييس سوق الليثيوم العالمي، وهذا مقصود. فالمشروع التجريبي مصمم للإجابة عن أسئلة لا يجيب عنها المختبر: كم تعيش المادة الانتقائية قبل أن تتدهور في مياه حقيقية متغيرة التركيب؟ وكم تستهلك العملية من ماء عذب للغسل، ومن طاقة ومواد كيميائية لكل طن؟ وهل تحقق النقاوة المطلوبة لدرجة البطاريات بشكل مستقر، لا في دفعة واحدة ناجحة فقط؟ وماذا يحدث للمياه بعد سحب الليثيوم منها، هل تعود إلى الحقن كما كانت دون أن تسبب ترسبات في الآبار؟ إجابات هذه الأسئلة هي ما يحدد إن كان التوسع لاحقاً منطقياً أم لا.
رأي: القيمة الحقيقية في تحويل نفاية إلى مادة خام
أرى أن هذا المشروع من أذكى ما يمكن أن تفعله دولة نفطية في ملف البطاريات، لسبب بسيط: المياه المصاحبة تُضخ وتُعالج أصلاً، والآبار والأنابيب ومحطات المعالجة موجودة. أي أن جزءاً كبيراً من كلفة “التعدين” مدفوع مسبقاً. السؤال لم يعد “هل نحفر منجماً؟” بل “هل نضيف وحدة استخلاص إلى خط معالجة قائم؟”.
لكن لديّ تحفظان. الأول أن الشركة لم تعلن تركيز الليثيوم في المياه المستهدفة، وهذا هو الرقم الذي يحدد الجدوى قبل أي شيء آخر. فالمحلول الفقير يعني ضخ كميات هائلة من الماء لاستخلاص كمية قليلة من المعدن، مع كلفة طاقة وكيماويات أعلى. والثاني أن تقنيات الاستخلاص المباشر ما زالت تثبت نفسها تجارياً حول العالم، والمشكلة غالباً ليست في الكيمياء بل في التشغيل الطويل: الترسبات، وتآكل المعدات، وعمر المادة الانتقائية.
ومع ذلك، فإن عبارة فودة “عادة تستورد التقنية والمعرفة، لكنك توطّنها” تلخص الرهان الحقيقي. إذا نجح المشروع، فلن تكون الفائدة 2000 طن فقط، بل فريق سعودي يعرف كيف يشغّل هذه الوحدات ويطورها، ويمكن نقل خبرته إلى حقول أخرى في المنطقة.
دروس عملية للمهندس
- مهندس معالجة المياه صار مهندس معادن أيضاً. من يفهم كيمياء المياه المصاحبة والترسبات والأغشية والتبادل الأيوني يملك مهارة تتجاوز قطاع النفط.
- اسأل عن التركيز قبل الإنتاج. في أي مشروع استخلاص من محاليل، الرقم الأول هو ملليغرامات الليثيوم في اللتر، ثم معدل الاستخلاص، ثم كلفة الطن.
- المرحلة التجريبية تقيس الاستقرار لا الإمكانية. صمم الاختبارات لتكشف التدهور مع الوقت، لا لتثبت نجاح يوم واحد.
- ابحث عن “النفايات” في مشروعك. كثير من تيارات الفاقد في المصانع والحقول تحمل قيمة لم يحسبها أحد بعد.
المصادر
- NESR عبر StockTitan (بيان PRNewswire)، “NESR and Aramco Sign Agreement to Deliver the Region’s First Direct Lithium Extraction Project” (8 أكتوبر 2026)
- رويترز عبر Zawya وTradingView، “Aramco, NESR partner on 2,000 tpa lithium production project in Saudi Arabia” (8 أكتوبر 2026)
- Arab News، “Lithium opportunity can open new chapter in Saudi energy diversification plan: NESR CEO” (16 أكتوبر 2026)
- باور نيوز، تصريحات NESR عن مشروع الليثيوم مع أرامكو (16 أكتوبر 2026)

