92 شاحناً بقدرة 15 ميجاوات للأتوبيس الترددي في القاهرة: لماذا يصبح المستودع أهم من الأتوبيس في النقل الكهربائي؟
ما الذي حدث؟
أعلنت مجموعة إم بي للهندسة يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 أن شركتها التابعة «شاحن لحلول المركبات الكهربائية» وقّعت عقداً مع الشركة المصرية للأتوبيس الترددي (BRT)، تنفيذاً لإخطار ترسية صادر عن جهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي التابع لوزارة النقل. ويشمل العقد توريد 92 منظومة شحن كهربائي وتركيبها وتشغيلها في مستودعات المشروع، لخدمة أسطول الأتوبيسات الكهربائية العاملة على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
وتقول الشركة إن المنظومات تعمل وفق “بروتوكول الشحن الأوروبي” وبقدرات مختلفة، وإن التنفيذ يجري على مراحل خلال ثلاثة أشهر. ويأتي العقد بعد أسابيع من بدء تشغيل المرحلة الثانية من المشروع للركاب يوم 26 سبتمبر 2026، بين محطة طريق العين السخنة ومحطة صن كابيتال، مع دخول 20 أتوبيساً كهربائياً مصري الصنع إلى الخدمة.
الأرقام الأساسية
- عدد منظومات الشحن: 92 منظومة.
- القدرة الإجمالية: حتى 15 ألف كيلووات، أي نحو 15 ميجاوات.
- القيمة: 119 مليون جنيه شاملة الضرائب والرسوم.
- المدة المعلنة: ثلاثة أشهر على مراحل، ويبدأ سريان العقد بعد دفعة مقدمة تعادل 25% من قيمته مقابل خطاب ضمان بنكي.
- الأسطول: 100 أتوبيس في المرحلة الأولى، تعمل نحو 20 ساعة يومياً، والمستهدف 320 أتوبيساً وفق تصريحات العضو المنتدب للشركة المصرية للأتوبيس الترددي في أغسطس الماضي.
- المشروع: نحو 110 كيلومترات على الطريق الدائري، و48 محطة عند اكتمال مراحله الثلاث.
ماذا تعني هذه الأرقام هندسياً؟
ابدأ بقسمة بسيطة: 15 ألف كيلووات على 92 منظومة تعطي متوسطاً يقارب 163 كيلووات للمنظومة الواحدة. هذا شحن سريع بالتيار المستمر، لا شحن بطيء بالتيار المتردد. والفرق جوهري: في الشحن السريع يقع المقوّم (المحوّل من المتردد إلى المستمر) داخل الشاحن نفسه، فيضخ التيار المستمر مباشرة في البطارية، بينما يتولى نظام إدارة البطارية في الأتوبيس “التفاوض” على التيار والجهد المسموحين لحظة بلحظة.
والقسمة الثانية: 320 أتوبيساً على 92 شاحناً تعني نحو ثلاثة أتوبيسات ونصف لكل شاحن. هذه نسبة نموذجية لما يسمى “شحن المستودع”، حيث تعود الأتوبيسات إلى الكراج وتتناوب على الشواحن، بدلاً من “شحن الفرصة” الذي يُركّب فيه شاحن عالي القدرة في نهاية الخط أو في المحطات لشحن سريع لدقائق أثناء الخدمة.
ولتقريب الصورة فقط، لو افترضنا بطارية سعتها 400 كيلووات ساعة (رقم افتراضي، فالشركات لم تعلن سعة بطاريات الأسطول)، فإن نقل 280 كيلووات ساعة إليها، أي من 20% إلى 90% تقريباً، يحتاج قرابة ساعة وأربعين دقيقة عند 163 كيلووات، وأكثر من ذلك فعلياً لأن الشحن يتباطأ كلما اقتربت البطارية من الامتلاء.
والقسمة الثالثة: 119 مليون جنيه على 92 منظومة تعطي نحو 1.3 مليون جنيه للمنظومة، أو قرابة 7900 جنيه لكل كيلووات من القدرة شاملة الضرائب والتركيب والتشغيل.
رأي: الشاحن هو الجزء السهل، والصعب في ثلاثة أماكن أخرى
أرى أن هذا العقد خبر جيد، لكنه يكشف أن النقل الكهربائي في مدننا دخل مرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها السؤال “هل نشتري أتوبيسات كهربائية؟” بل “هل نستطيع تشغيلها 20 ساعة يومياً بلا انقطاع؟”. وهنا ثلاث نقاط أراها أهم من عدد الشواحن.
الأولى: نافذة الشحن ضيقة. أسطول يعمل 20 ساعة يومياً لا يملك ليلة كاملة للشحن كما في كثير من مدن العالم. هذا يفسر اختيار الشحن السريع بقدرة متوسطة عالية، لكنه يعني أيضاً أن جدولة الشحن صارت جزءاً من جدولة التشغيل. أي تأخير في عودة الأتوبيس إلى المستودع، أو عطل في شاحن واحد، يُترجم مباشرة إلى أتوبيس ناقص على الخط في ساعة الذروة. ولهذا فإن نسبة الشواحن الاحتياطية وخطة الصيانة الوقائية أهم من القدرة الاسمية.
الثانية: 15 ميجاوات حمل محطة محولات كاملة. لو اشتغلت كل المنظومات معاً بأقصى قدرتها، فالمستودعات تسحب حملاً كبيراً يحتاج تغذية مخصصة، وفي ست ساعات متصلة يصل الاستهلاك إلى نحو 90 ميجاوات ساعة. هذا يعني تغذية بالجهد المتوسط، ومحولات مخصصة، وحسابات للتوافقيات التي تولدها المقومات وتؤثر في جودة القدرة على الشبكة المحيطة. والأذكى من رفع سعة الوصلة هو نظام إدارة أحمال يوزع القدرة المتاحة على الأتوبيسات حسب موعد خروج كل منها، فيخفض ذروة السحب دون أن يتأخر أحد. لم يذكر الإعلان شيئاً عن هذه الطبقة، وهي في رأيي الاختبار الحقيقي للمشروع.
الثالثة: البروتوكول المفتوح يحمي المالك. عبارة “بروتوكول الشحن الأوروبي” عامة، والأرجح أنها تشير إلى منظومة الموصل الأوروبي CCS2 الشائعة في الأتوبيسات الكهربائية. لكن ما يهم المالك على المدى الطويل هو بروتوكول الاتصال بين الشاحن ونظام الإدارة المركزي، مثل OCPP المفتوح. إذا كانت الشواحن تتحدث بلغة مفتوحة، يستطيع المشغل تغيير برنامج الإدارة أو إضافة شواحن من مورد آخر لاحقاً. وإذا لم تكن كذلك، يصبح أسيراً لمورد واحد طوال عمر المنظومة.
وأضيف ملاحظة إيجابية: أن تنفذ شركة مصرية العقد وتتولى التشغيل، بعد خبرتها في تشغيل شحن أتوبيسات العاصمة الإدارية، أمر يبني معرفة محلية في تخصص سيتكرر في كل مدينة عربية تكهرب نقلها العام. أما المدة، فثلاثة أشهر طموحة لأعمال تشمل مدنياً وكهربائياً وتشغيلاً تجريبياً، ونص العقد كما نقلته جريدة المال يربط انتهاء كل دفعة توريد بنهاية الشهر الخامس من سدادها، فلننتظر الجدول الفعلي.
دروس عملية للمهندس
- تخصص البنية التحتية للشحن يتشكل الآن. مهندس الكهرباء الذي يفهم الشحن السريع بالتيار المستمر، وتصميم تغذية المستودعات بالجهد المتوسط، وجودة القدرة والتوافقيات، سيجد طلباً متزايداً مع توسع الأساطيل الكهربائية في مصر والخليج.
- تعلّم المعايير بأسمائها. سلسلة IEC 61851 للشحن الموصل، وISO 15118 للاتصال بين المركبة والشاحن، وOCPP للاتصال بين الشاحن ونظام الإدارة. قراءة هذه المعايير تميزك في أي عطاء أو مقابلة.
- فكّر في المستودع كمنظومة. تصميم كراج أتوبيسات كهربائية يجمع المدني (مسارات الحركة والمظلات)، والكهربائي (المحولات والكابلات)، والميكانيكي (التهوية وتبريد الشواحن)، والبرمجي (جدولة الشحن). المهندس القادر على التنسيق بين هذه الطبقات نادر.
- احسب قبل أن تقرأ البيان. ثلاث قسمات بسيطة على أرقام الخبر كشفت نوع الشحن ونسبة الأتوبيسات إلى الشواحن وتكلفة الكيلووات. اجعلها عادة مع كل خبر مشروع.
المصادر
- أموال الغد، “إم بي للهندسة توقع عقداً بقيمة 119 مليون جنيه لتوريد 92 منظومة شحن للأتوبيس الترددي” (14 أكتوبر 2026)
- جريدة المال، “إم بي للهندسة توقع عقدا بـ119 مليون جنيه لتوريد 92 منظومة شحن للأتوبيس الترددي” (14 أكتوبر 2026)
- البورصة نيوز، “تابعة لـ إم بي للهندسة توقع عقداً لتركيب 92 شاحن كهربائي للأتوبيس الترددي” (14 أكتوبر 2026)
- صدى البلد، “إدخال 20 أتوبيساً كهربائياً جديداً صناعة مصرية بالمرحلة الثانية لـ BRT” (سبتمبر 2026)
- الدستور، “تشغيل المرحلة الثانية من الأتوبيس الترددي خلال أغسطس وزيادة الأسطول إلى 320 مركبة” (5 أغسطس 2026)
- Ahram Online، “In Photos: Egypt to locally manufacture 100 electric buses for Cairo Ring Road” (3 ديسمبر 2022)
- Daily News Egypt، “Egypt accelerates phase 2 of BRT, Ring Road upgrades to ease congestion, expand green transport” (5 يناير 2026)

