دبي تنزل تحت الأرض: هيئة الطرق تدرس شبكة نقل جوفية للركاب والبضائع والخدمات، فما الذي يجعلها ممكنة؟
ما الذي حدث؟
في جلسة بعنوان “مستقبل التنقل في دبي بثلاثة أبعاد” ضمن منتدى محمد بن راشد للقيادة، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، أعلن مطر الطاير، المدير العام ورئيس مجلس المديرين في هيئة الطرق والمواصلات (RTA)، أن الهيئة تدرس “منظومة نقل متكاملة تحت الأرض” لنقل الأشخاص والبضائع والخدمات. ووصف الطاير مستقبل التنقل في المدينة بثلاثة أبعاد مترابطة: الجو، وسطح الأرض، وما تحتها. ودعا المخططين إلى الانتقال من سؤال “كيف نتحرك؟” إلى سؤال “أين يمكننا أن نتحرك؟”.
لم يُعلن حتى الآن جدول زمني ولا تكلفة ولا مسارات لهذه الشبكة، فهي في مرحلة الدراسة. لكنها لا تأتي من فراغ: فقبلها بيوم، في 12 أكتوبر، وقّع مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية اتفاقية مع شركة The Boring Company لاستكشاف شبكة نقل تحت الأرض في العاصمة، بحسب MEED. ودبي نفسها لديها مشروعان جوفيان قيد التنفيذ أو الطرح.
الأرقام التي تدفع المدينة إلى باطن الأرض
- الطلب على الطرق: أكثر من 11 مليون رحلة يومياً، أي نحو 7000 رحلة في الدقيقة.
- السكان النهاريون: أكثر من 6 ملايين شخص يتنقلون في المدينة نهاراً، وقد يتضاعف العدد بحلول 2040.
- السكان المقيمون: 4.58 مليون نسمة في نهاية 2025، بنمو 7.5% في عام واحد وفق ذا ناشونال نقلاً عن الإحصاءات الحكومية.
- عائد ما بُني: تقول الهيئة إن مشروعاتها أضافت 156 مليار درهم إلى الناتج المحلي، وحققت وفورات تتجاوز 319 مليار درهم من تقليل زمن الرحلات واستهلاك الوقود.
- هدف القيادة الذاتية: رحلة من كل أربع رحلات ذاتية القيادة بحلول 2030، وسيارات الأجرة ذاتية القيادة قطعت أكثر من 4 ملايين كيلومتر.
ما الموجود فعلاً تحت الأرض؟
أولاً: الخط الذهبي للمترو. اعتُمد في أبريل 2026 بطول 42 كيلومتراً و18 محطة وتكلفة نحو 34 مليار درهم (قرابة 9.25 مليار دولار). وهو أول خط مترو في دبي يسير تحت الأرض بالكامل، على عمق 40 متراً. الطرح مخطط في 2026 والترسية في 2027، والافتتاح محدد في 9 سبتمبر 2032، مع توقع نحو 465 ألف راكب يومياً بعد 2040.
ثانياً: “دبي لوب”. شبكة أنفاق صغيرة القطر تنفذها The Boring Company بعقد مع الهيئة، تسير فيها مركبات كهربائية ذاتية القيادة. المرحلة الأولى بطول 6.4 كيلومترات وأربع محطات تربط مركز دبي المالي العالمي بدبي مول، بتكلفة نحو 565 مليون درهم وسعة تقارب 13 ألف راكب يومياً. أما الشبكة الكاملة فتصل إلى 22 كيلومتراً و19 محطة وسعة نحو 30 ألف راكب يومياً، بتكلفة إجمالية تقارب ملياري درهم. وتتولى AECOM مراجعة التصميم والإشراف، وParsons إدارة البرنامج.
لاحظ الفرق في الحجم: المترو الذهبي ينقل في يوم واحد ما يقارب خمسة عشر ضعف ما سينقله “اللوب” الكامل. وهذا وحده يكفي لفهم أن الأنفاق ليست شيئاً واحداً.
شرح مبسط: ثلاثة أنواع من “تحت الأرض”
حين يتحدث مخطط عن نقل “الأشخاص والبضائع والخدمات” تحت الأرض، فهو يتحدث في الواقع عن ثلاث عائلات هندسية مختلفة:
- أنفاق الركاب عالية السعة مثل المترو: قطر كبير، ومحطات عميقة ومكلفة، وأنظمة تهوية وإخلاء صارمة، لكنها تنقل مئات الآلاف يومياً.
- أنفاق صغيرة القطر مثل “اللوب”: حفرها أرخص وأسرع لكل كيلومتر، والمحطات أبسط، لكن السعة محدودة لأن الوحدة الناقلة سيارة لا قطار.
- أنفاق اللوجستيات والمرافق: ممرات تنقل الطرود والبضائع بعربات آلية، أو “أنفاق خدمات مشتركة” تجمع كابلات الكهرباء والاتصالات وأنابيب المياه والتبريد في ممر واحد يمكن دخوله للصيانة دون حفر الشوارع.
كلمة “الخدمات” في تصريح الطاير قد تعني هذا النوع الثالث، وهو في رأيي الأكثر إثارة للاهتمام هندسياً.
رأي: البضائع والمرافق قبل الركاب
قراءتي أن القيمة الكبرى في رؤية دبي الجوفية ليست في نقل الركاب، فالمترو الذهبي يغطي هذا الدور بكفاءة لا تبلغها الأنفاق الصغيرة. القيمة الحقيقية في إخراج حركة الشاحنات الصغيرة وأعمال صيانة المرافق من سطح الشارع.
أولاً: الشاحنة الصغيرة هي العدو الخفي للازدحام. مع نمو التجارة الإلكترونية، تزداد رحلات التوصيل القصيرة المتكررة، وهي رحلات لا يشعر بها الراكب عادة إلا حين تقف مركبة توصيل في المسار الأيمن. نقل جزء منها إلى ممرات جوفية آلية تصل بين مراكز توزيع على أطراف المدينة ونقاط استلام في قلبها قد يحقق أثراً على الازدحام يفوق نفقاً للسيارات بالتكلفة نفسها.
ثانياً: كل حفرة في الشارع تكلفة مخفية. في المدن سريعة النمو تُحفر الطرق مراراً لمد كابل أو إصلاح أنبوب. نفق الخدمات المشترك يحول هذه التكلفة المتكررة إلى استثمار واحد، ويجعل باطن الأرض منظماً بدلاً من أن يكون متاهة من الخطوط المتقاطعة التي تعرقل أي نفق مستقبلي.
ثالثاً: التحدي الأكبر ليس الحفر بل التخطيط ثلاثي الأبعاد. حين تتعدد الأنفاق، يصبح باطن الأرض مورداً محدوداً مثل الأرض السطحية. خط مترو على عمق 40 متراً، وأنفاق “لوب” أقرب إلى السطح، ومرافق وأساسات أبراج: كلها تتنافس على الفراغ نفسه. المدينة التي لا تملك خريطة جوفية دقيقة ومخططاً رئيسياً للفراغ تحت الأرض، يحدد طبقات لكل استخدام، ستكتشف أن نفق اليوم يمنع نفق الغد. لذلك أرى أن أول مخرج مفيد لدراسة الهيئة يجب أن يكون “مخطط استعمالات باطن الأرض”، قبل أي مسار.
وأخيراً، عن الحذر. الإعلان دراسة لا مشروع، ولا أرقام له بعد. وتجارب أنفاق السيارات الصغيرة حول العالم ما زالت محدودة الحجم. لكن دبي أثبتت أنها تنفذ ما تدرسه حين تقتنع به، وأرقام الطلب تجعل البحث عن بعد ثالث ضرورة لا ترفاً.
دروس عملية للمهندس
- هندسة الأنفاق سوق صاعدة في الخليج. خط مترو جوفي بالكامل في دبي، وشبكة “لوب”، واتفاقية في أبوظبي، كلها في عام واحد. مهندسو الجيوتقنية والإنشاءات وتشغيل آلات حفر الأنفاق (TBM) سيكونون في قلب هذا الطلب.
- تعلّم مخاطر الحفر في المدن الساحلية. المياه الجوفية، والتربة الرملية، والتربة المالحة، وهبوط المباني المجاورة أثناء الحفر، هي ما يرفع تكلفة الأنفاق ويؤخرها. فهم أنظمة التدعيم وموازنة ضغط الوجه في آلات الحفر مهارة مطلوبة.
- النمذجة ثلاثية الأبعاد للمرافق ليست رفاهية. إتقان BIM وأنظمة المعلومات الجغرافية لرسم ما تحت الأرض بدقة سيصبح شرطاً في مشروعات المدن الكبرى.
- فكّر في التشغيل لا في الإنشاء فقط. التهوية، والإخلاء في الحرائق، والتحكم الآلي في المركبات، هي ما يحدد نجاح أي شبكة جوفية بعد افتتاحها. المهندس الذي يجمع بين الإنشاء والأنظمة سيكون الأكثر طلباً.
المصادر
- ذا ناشونال، “Dubai plans new underground transport network” (13 أكتوبر 2026)
- جلف نيوز، “Dubai’s next big transport revolution? Underground network for passengers, goods and services” (13 أكتوبر 2026)
- خليج تايمز، “Dubai’s road network could stretch halfway around the world, says RTA chief” (13 أكتوبر 2026)
- الإمارات 24/7، “Mattar Al Tayer: Dubai exploring integrated underground transport system” (13 أكتوبر 2026)
- MEED، “Elon Musk-backed company plans Abu Dhabi tunnels network” (12 أكتوبر 2026)
- MEED، “Aecom to supervise Dubai Loop construction” (11 مايو 2026)
- المكتب الإعلامي لحكومة دبي، “Mohammed bin Rashid approves Dubai Metro Gold Line” (22 أبريل 2026)
- Tunnels and Tunnelling، “Dubai approves $9.2bn fully underground Gold Line metro” (24 أبريل 2026)
