الشامرأي

العراق يعيد جدولة 33 مشروعاً متوقفاً وسط شح السيولة: في زمن الأزمة، المشروع المكتمل أهم من عشرة مشاريع جديدة

ماذا حدث؟

في 3 أكتوبر 2026 نقلت وسائل إعلام عراقية عن المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة، نبيل الصفار، أن الوزارة أنجزت 112 مشروعاً في قطاعات الماء والمجاري والطرق والجسور والبلديات والمباني، وأن العمل مستمر في 293 مشروعاً في مختلف المحافظات، وأن أكثر من 60 مشروعاً أُدرجت ضمن المنهاج الحكومي للأعوام 2026 إلى 2029.

وقال الصفار إن “أولويات الوزارة حالياً تتركز على إكمال المشاريع التي سبق إحالتها والمباشرة بها”، وذلك “رغم التحديات المالية وقلة السيولة النقدية وشح الأموال نتيجة الظروف التي تعيشها المنطقة”، مقراً بأن الأزمة المالية أخّرت عدداً من المشاريع وأن الوزارة أعادت تحديد مواعيد إنجازها.

وفي 5 أكتوبر نقلت وكالة المستقلة عن المتحدثة باسم الوزارة المهندسة إستبرق صباح تفاصيل عن حزمتي مشاريع فك الاختناقات المرورية في بغداد.

الأرقام

  • 112 مشروعاً منجزاً و293 قيد التنفيذ، بحسب الوزارة في 3 أكتوبر.
  • 33 مشروعاً متوقفاً أُدرجت ضمن محور إعادة جدولة المشاريع الحكومية المتوقفة: 15 في الطرق، و12 في الماء، و6 في البلديات، بحسب ما أعلنته الوزارة لوكالة الأنباء العراقية في سبتمبر.
  • 9 مجمعات سكنية متأخرة منذ سنوات أُدرجت لاستكمالها، و18 مشروعاً في قطاع معالجة المياه والمجاري.
  • حزمة بغداد الأولى: 16 مشروعاً أُنجز منها 12، أي 75%.
  • حزمة بغداد الثانية: 7 مشاريع أُنجز منها 2 فقط، والعمل مستمر في 5، بينها جسر الصرافية الثاني ومجسر الدورة وتأهيل نفق وزارة النقل.

شرح مبسط: ماذا يحدث لمنشأة متوقفة؟

المشروع المتوقف ليس مشروعاً “مجمداً” كما هو. الهيكل الخرساني المكشوف يتعرض للمطر والحرارة والرطوبة، وأشاير حديد التسليح البارزة لربط الأجزاء اللاحقة تصدأ. الحفريات المفتوحة قد تنهار جوانبها أو تمتلئ بالمياه الجوفية. المعدات الكهروميكانيكية الموردة والمخزنة قد تتلف أو تخرج من الضمان أو تُسرق. والمخططات نفسها قد تصبح قديمة إذا تغيرت الكودات أو الاحتياجات.

لذلك فإن “استئناف” مشروع متوقف لسنوات هو في الحقيقة مشروع جديد صغير: يبدأ بتقييم الحالة، ثم إعادة تصميم ما تلف، ثم إعادة تسعير ما تبقى بأسعار اليوم، ثم التنفيذ.

رأي: أول قاعدة في الأزمة، لا تبدأ ما لا تستطيع إنهاءه

أؤيد بوضوح ما قاله المتحدث باسم الوزارة. حين تشح السيولة، يصبح كل دينار يُنفق على مشروع نصف منجز أعلى قيمة من دينار يُنفق على حفر أساس جديد. الجسر الذي اكتمل 90% منه لا يخدم أحداً، لكن إكمال الـ10% الباقية يحوّل كل ما أُنفق قبلها من خسارة معطلة إلى أصل يعمل. أما بدء مشروع جديد في ظل شح الأموال، فيعني غالباً إضافة اسم جديد إلى قائمة المتوقفات بعد سنتين.

وأرقام بغداد توضح ذلك. الحزمة الأولى أُنجز منها 75%، وهذا معدل جيد. أما الحزمة الثانية فأُنجز منها مشروعان من سبعة. السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس “متى نطلق الحزمة الثالثة؟”، بل “ما الذي يمنع المشاريع الخمسة الباقية من الاكتمال؟”.

لكن لديّ تحفظان على طريقة التنفيذ. الأول: إعادة الجدولة يجب أن تبدأ بفحص هندسي مستقل لحالة كل منشأة متوقفة. هيكل تُرك سنوات قد يحتاج إلى تدعيم قبل أن يحمل طابقاً إضافياً، واستئناف العمل فوقه كأن شيئاً لم يحدث مخاطرة حقيقية. هذا الفحص كلفته صغيرة مقارنة بكلفة الخطأ.

والثاني: الشفافية في نسب الإنجاز. الوزارة نشرت أرقاماً إجمالية مفيدة، لكن المواطن والمهندس لا يستطيعان بعد متابعة كل مشروع باسمه: نسبة إنجازه الفعلية، وتاريخ توقفه، وسبب التوقف، والموعد الجديد. لوحة متابعة علنية بهذه البيانات ستحول وعد “الإنجاز خلال عمر الحكومة” إلى التزام يمكن قياسه، وستضغط على المقاولين المتلكئين أكثر من أي إنذار.

وهناك جانب يغفله كثيرون حين يتحدثون عن “المقاول المتلكئ”: التدفق النقدي. المقاول يشتري الحديد والإسمنت ويدفع أجور العمال قبل أن يتسلم مستحقاته، وإذا تأخرت الدفعات شهوراً بسبب شح السيولة، فإن أول ما يفعله هو إبطاء العمل أو سحب معداته إلى مشروع آخر يدفع. لذلك فإن إعادة الجدولة الحقيقية لا تعني تواريخ إنجاز جديدة فقط، بل جدولاً واقعياً للدفعات يلتزم به المالك، لأن التزام المقاول بالموعد مرهون بالتزام المالك بالدفع.

وهذا الدرس يتجاوز العراق. دول عربية كثيرة تواجه الآن ضغوطاً مالية بسبب ظروف المنطقة، والإغراء السياسي دائماً هو الإعلان عن مشاريع جديدة. لكن المهندس يعرف أن قيمة المشروع تبدأ يوم يعمل، لا يوم يوضع حجر أساسه.

دروس عملية للمهندس

  1. قيّم قبل أن تستأنف. أي منشأة متوقفة أكثر من موسم تحتاج تقرير حالة إنشائية قبل العودة إليها.
  2. احسب كلفة التوقف. صدأ الحديد وتلف المعدات المخزنة وتغير الأسعار تكاليف حقيقية تُضاف إلى المشروع.
  3. أعد التسعير بواقعية. استئناف مشروع بأسعار عقد قديم وصفة لتوقف ثانٍ.
  4. اجعل نسبة الإنجاز رقماً عاماً. القياس العلني أداة إدارة لا مجرد علاقات عامة.
  5. اربط الجدول الزمني بجدول الدفعات. موعد إنجاز بلا تمويل مضمون للمراحل المتبقية ليس موعداً حقيقياً.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية