منجم داينغ في يونان: الصخر أنذر، والمنجم واصل الحفر، وفريق الإنقاذ احتاج 57 دقيقة ليجتمع
ماذا حدث؟
في 8 أكتوبر 2026 نقلت وسائل إعلام صينية عن تلفزيون الصين المركزي أن مكتب يونان التابع للإدارة الوطنية لسلامة المناجم أصدر تقرير التحقيق في حادث “24 ديسمبر” في منجم داينغ للفحم، التابع لشركة تشاوتونغ جنشيونغ داينغ للفحم.
بحسب التقرير، وقع في نحو الساعة 20:01 من مساء 24 ديسمبر 2025 انفجار مفاجئ للفحم والغاز في واجهة حفر ممر النقل 1503. قُتل سبعة أشخاص، وبلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة 15.962 مليون يوان. وقدّر التقييم الفني أن الانفجار قذف نحو 591 طناً من الفحم والصخر وأطلق نحو 55,300 متر مكعب من الغاز.
ما الذي وجده التحقيق؟
- علامات تجاهلها المنجم: بعد ظهور ظواهر ديناميكية للغاز، لم يُدر المنجم الطبقة بوصفها طبقة معرضة للانفجار المفاجئ، واستمر الحفر دون إزالة خطر الانفجار.
- ضعف المسؤولية والرقابة: نسب التقرير الحادث إلى قصور الشركة في تنفيذ مسؤوليتها الأساسية عن السلامة، وضعف الرقابة المحلية على سلامة المناجم.
- تأخر الاستجابة: بدأ العمال الإنقاذ الذاتي واتخذ المنجم إجراءات أولية، لكنه لم يستدع فرق الإنقاذ المتخصصة أو غير المتفرغة فوراً. وتعطلت بعض معدات الفريق غير المتفرغ، واستغرق تجميعه 57 دقيقة.
- انتهاء الإنقاذ: عُثر على الضحايا السبعة جميعاً في الساعة 15:32 من 27 ديسمبر.
المحاسبة: 40 شخصاً في سلسلة واحدة
- 5 أشخاص أحيلوا إلى القضاء، بينهم الممثل القانوني للمنجم ومديره.
- 11 شخصاً من إدارة المنجم، بينهم نائبا المدير للسلامة والإنتاج، عوقبوا بتعليق أو سحب شهادات السلامة وبغرامات إدارية.
- شخصان من الشركة الأم دونغهوانغ للفحم، هما الممثل القانوني والمدير العام، غُرّما.
- شخصان من مؤسسة خدمات فنية لسلامة المناجم غُرّما، وأُوقفت المؤسسة للتصحيح.
- 20 مسؤولاً من مكتب الطاقة في تشاوتونغ ومقاطعة جنشيونغ وجهات أخرى نالوا عقوبات تأديبية وإدارية.
- المنجم: غرامة، وتعليق مؤقت لترخيص السلامة، ووقف الإنتاج للتصحيح، وإلزام بتحويله إلى منجم ذكي.
شرح مبسط: ما “الانفجار المفاجئ للفحم والغاز”؟
بعض طبقات الفحم تحتجز كميات كبيرة من الغاز، معظمه ميثان، تحت ضغط عالٍ داخل مسام الفحم والشقوق. حين يقترب الحفر من منطقة كهذه، قد ينكسر الفحم فجأة تحت الضغط ويُقذف نحو الممر مع اندفاع كبير للغاز، في ثوانٍ. النتيجة: ردم للعمال، واختناق، وخطر انفجار الميثان.
لكن هذه الظاهرة نادراً ما تأتي بلا مقدمات. قبلها قد تظهر “ظواهر ديناميكية للغاز”: ارتفاع مفاجئ في قراءات الغاز، وأصوات طقطقة في الفحم، وتطاير قطع صغيرة، وتغير في سلوك ثقوب الحفر. ولهذا تُصنف الطبقات التي تظهر فيها هذه العلامات معرضة للانفجار، وتخضع لإجراءات أشد: ثقوب لتصريف الغاز مسبقاً، وقياس مستمر، وتقدم أبطأ في الحفر.
رأي: الإشارة المبكرة بيانات، لا إزعاج
أهم جملة في هذا التقرير في رأيي ليست عدد الضحايا ولا قائمة المعاقبين، بل هذه: بعد ظهور ظواهر ديناميكية للغاز، لم يُدر المنجم الطبقة بوصفها معرضة للانفجار. أي أن الصخر أنذر، وسُجل الإنذار أو لوحظ على الأقل، ثم قرر أحدهم أن التصنيف يبقى كما هو والحفر يستمر.
أفهم لماذا يحدث هذا. تغيير تصنيف طبقة إلى “معرضة للانفجار” يعني تباطؤاً كبيراً، وتكاليف تصريف غاز، وربما إعادة تخطيط. الحافز الاقتصادي كله يدفع نحو تفسير الإشارة على أنها عابرة. وهنا بالضبط تقع المسؤولية الهندسية: أن تكون القاعدة مكتوبة سلفاً، بحيث يتغير التصنيف تلقائياً عند ظهور علامة محددة، لا بقرار شخصي في لحظة ضغط.
والملاحظة الثانية عن الطوارئ. 57 دقيقة لتجميع فريق إنقاذ، ومعدات معطلة. خطة الطوارئ التي لا تُختبر بتمارين حقيقية وفحص دوري للمعدات تبقى وثيقة. وفي حادث تحت الأرض، الدقائق الأولى هي التي تقرر من ينجو. وما يلفت أن العمال أنفسهم بدأوا الإنقاذ الذاتي، أي أن التدريب الأساسي على مستوى الأفراد كان موجوداً، بينما تعثر المستوى المؤسسي الذي يُفترض أن يكون الأقوى.
والملاحظة الثالثة تعجبني: التقرير لم يتوقف عند مدير المنجم، بل وصل إلى مؤسسة الخدمات الفنية التي كان يُفترض أن تساعد في إدارة السلامة، وإلى المسؤولين المحليين عن الرقابة. هذا يعني أن الاستشاري الفني والجهة الرقابية جزء من سلسلة المسؤولية، لا متفرجان عليها.
ولماذا يهم هذا المهندس العربي؟ لأن المنطقة تحفر تحت الأرض اليوم أكثر من أي وقت: مناجم فوسفات ومعادن، وأنفاق مترو وصرف ونقل مياه، وبعضها يمر في طبقات قد تحتوي غازات. والمبدأ واحد في كل هذه المشاريع: ما تخبرك به الأرض أثناء الحفر أصدق من دراسة الموقع التي أُعدت قبله.
دروس عملية للمهندس
- حوّل العلامات إلى قواعد. حدد سلفاً ما الذي يغير تصنيف الخطر تلقائياً، ولا تتركه للتقدير تحت الضغط.
- سجّل كل شذوذ. قراءة غاز غير عادية أو صوت غير مألوف بيانات يجب أن تصل إلى من يقرر.
- اختبر خطة الطوارئ بالتمرين. فريق لا يجتمع في دقائق ومعدات لا تعمل تعني خطة على الورق فقط.
- الاستشاري مسؤول أيضاً. إن وقعت باسمك على خدمات سلامة، فأنت في السلسلة.

