البنزين المغشوش في سوريا كان “خطأً تشغيلياً” في الأنابيب: شحنة رُفضت ثم اختلطت بالسليم، فأين كانت نقطة الفحص الأخيرة؟
ماذا حدث؟
في الأسبوع الأول من أكتوبر 2026 انتشرت في سوريا شكاوى من بنزين أحمر داكن يميل إلى السواد، لزج وفيه شوائب، يشبه لونه المازوت. وبحسب موقع عنب بلدي في 7 أكتوبر، تعطلت مئات السيارات بعد وقت قصير من التزود بالوقود، وكانت أعلى نسب الأضرار في محطات اللاذقية وعدد من المحطات على طريق بانياس طرطوس، مع شكاوى مماثلة في دمشق وحلب وحماة والرقة ودير الزور.
وصف الميكانيكيون محركات تتوقف فجأة، وشمعات احتراق تالفة، وفلاتر وقود مسدودة، ومضخات وحساسات معطلة بسبب رواسب لزجة. وقدّر ميكانيكي تحدثت إليه الجزيرة كلفة الإصلاح بين 300 و700 دولار للسيارة.
في 6 أكتوبر قالت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (سادكوب) إن فرقها أخذت عينات من سلسلة التوريد من المصدر حتى المحطات، وإن النتائج حتى ذلك الحين مطابقة للمواصفات، مع اعترافها برصد مادة غير مطابقة في السوق. ثم في 13 أكتوبر أعلنت وزارة الطاقة نتيجة لجنة فنية: شحنة بنزين غير مطابقة فُرغت في مستودعات الشركة السورية للبترول، وتقرر إعادتها إلى مصدرها، لكن أثناء نقلها عبر شبكة الأنابيب وقع خطأ تشغيلي خلطها بالبنزين المطابق، فوصل جزء من الخليط إلى السوق. ووعدت الوزارة بإجراءات قانونية بحق المسؤولين، ومعالجة القصور في منظومة التشغيل والرقابة، وكلفت الشركة بوضع آلية لتعويض المتضررين على مراحل.
الأرقام
- 6 محافظات على الأقل وردت منها شكاوى، إضافة إلى طرطوس.
- 300 إلى 700 دولار كلفة الإصلاح التي قدرها ميكانيكي، وذكر متضرر أنها بلغت 900 دولار.
- 50 ألفاً إلى 120 ألف ليرة سورية جديدة تقدير أصحاب الورش لكلفة الإصلاح بحسب عنب بلدي.
- أسبوع تقريباً بين أول بيان (6 أكتوبر) يقول إن العينات مطابقة، والبيان الذي كشف السبب (13 أكتوبر).
- هذه ليست الحادثة الأولى: في يوليو 2026 استُبعدت شحنة بنزين غير مطابقة، وأدى ذلك إلى أزمة اختناق قدم بعدها وزير الطاقة محمد البشير اعتذاراً رسمياً.
شرح مبسط: كيف يختلط الوقود في الأنبوب؟
شبكات أنابيب المنتجات البترولية في العالم تنقل عادة أكثر من منتج في الأنبوب نفسه، بنظام “الدفعات”: دفعة بنزين، ثم دفعة مازوت، ثم بنزين من درجة أخرى. وفي منطقة التماس بين دفعتين يحدث اختلاط لا مفر منه، يسمى “الواجهة”. ولذلك تُراقب كثافة السائل ولونه عند نقاط الاستلام، وحين تمر الواجهة تُحوّل إلى خزان منفصل للمعالجة بدل أن تدخل خزان المنتج النظيف.
نقل شحنة مرفوضة عبر الشبكة نفسها التي تنقل الوقود السليم يعني أن كل صمام وكل قرار تحويل يجب أن يكون صحيحاً. خطأ واحد في فتح صمام، أو في توقيت التحويل، أو في تحديد الخزان المستقبِل، يكفي ليذهب المرفوض إلى خزان السليم. ولهذا تعامل الشركات المحترفة المنتج غير المطابق كمادة “محجوزة” لها مسار معزول وإجراء مكتوب ووسم واضح، وتختبر الخزان المستقبِل بعد كل عملية نقل قبل أن تسمح بالسحب منه.
رأي: نظام الجودة الذي يكتشف الخطأ في خزان السيارة نظام بلا نقطة فحص أخيرة
لا يكفي أن نقول إن ما حدث “خطأ تشغيلي”. الأخطاء التشغيلية تقع في كل منشأة في العالم، والسؤال الهندسي هو: لماذا مر الخطأ عبر كل المراحل اللاحقة دون أن يُكتشف؟ بين الأنبوب وخزان السيارة توجد مستودعات وصهاريج نقل ومحطات وقود، وكل واحدة منها كان يمكن أن تكون حاجزاً.
رأيي أن المشكلة الأعمق في هذه القصة هي أن الفحص كان في البداية فقط. الشحنة رُفضت عند وصولها، وهذا يحسب لمن رفضها. لكن بعد الرفض لم يكن هناك فحص بعد النقل، ولا فحص سريع عند تحميل الصهاريج، ولا فحص فعّال عند المحطة. وأصحاب المحطات قالوا للجزيرة إنهم يفحصون الكثافة والحرارة، لكن هذا لا يكفي لكشف كل أنواع التلوث، وهم في النهاية يستلمون ما ترسله الدولة.
والنقطة الثانية في البيان الأول. حين قالت سادكوب في 6 أكتوبر إن العينات مطابقة، كانت السيارات تتعطل في الشوارع. هذا التناقض بين المختبر والميدان علامة على أن العينات لم تكن تمثل ما يصل فعلاً إلى المستهلك. والدرس هنا أن خطة أخذ العينات لا تقل أهمية عن المختبر نفسه: من أين تؤخذ، ومتى، وكم مرة، وهل تتبع الدفعة نفسها عبر السلسلة.
والنقطة الثالثة أن حادثة يوليو كانت إنذاراً. شحنة غير مطابقة استُبعدت حينها أيضاً. وحين تتكرر الشحنات المرفوضة، يصبح التعامل معها عملية روتينية تحتاج مساراً هندسياً مصمماً، لا قراراً استثنائياً يُنفذ في كل مرة بطريقة مختلفة.
وأخيراً، أرى أن وعد التعويض خطوة صحيحة ونادرة في منطقتنا، ويستحق أن يُتابع. لكن التعويض يعالج النتيجة، أما منع التكرار فيحتاج إلى نشر نتائج اللجنة الفنية كاملة: أين وقع الخطأ، ولماذا لم تكتشفه المراحل اللاحقة، وما الذي تغير. هذا ما يجعل الحادثة درساً لا مجرد اعتذار ثانٍ.
دروس عملية للمهندس
- اعزل المنتج المرفوض. أي مادة غير مطابقة تحتاج مساراً ووسماً وإجراء نقل مكتوباً، وتوقيعاً على كل خطوة.
- افحص بعد كل نقل، لا قبله فقط. الخزان المستقبِل يُختبر قبل السحب منه، مهما كانت الثقة في العملية.
- صمم خطة عينات تتبع الدفعة. العينة التي لا تمثل ما يصل للمستهلك تعطي طمأنينة كاذبة.
- ضع نقطة فحص سريع قرب المستهلك. أجهزة فحص ميدانية بسيطة عند تحميل الصهاريج وفي المحطات تقطع الطريق على الخطأ قبل خزان السيارة.
المصادر
- عنب بلدي (الإنجليزية)، “Contaminated Gasoline Disables Vehicles Across Syria, SADCOP Responds” (7 أكتوبر 2026)
- الجزيرة نت، “سوريا.. أعطال ميكانيكية وشكاوى واسعة من انتشار بنزين رديء في الأسواق” (7 أكتوبر 2026)
- الجزيرة نت، “سوريا.. وزارة الطاقة تكشف سبب أزمة البنزين المغشوش وتتعهد بتعويضات” (14 أكتوبر 2026)

