“برسيفيرانس” يكسر رقم المسافة على المريخ في خمس سنوات ونصف: القيادة الذاتية فعلت ما عجزت عنه 15 سنة من القيادة عن بعد
ما الذي حدث؟
في اليوم المريخي رقم 2,006 من مهمتها، 11 أكتوبر 2026، قطعت “برسيفيرانس” مسافة 91.31 متراً من منطقة تسمى “لاك دو شارم” باتجاه موقع “إيدوبي” على حافة فوهة جيزيرو. وبهذه الخطوة ارتفع عدادها من 45.13 إلى 45.22 كيلومتراً (28.1 ميلاً)، لتتجاوز رقم “أوبورتيونيتي” البالغ 45.16 كيلومتراً، وتصبح أبعد مركبة تقطع مسافة على سطح عالم آخر، بحسب موسوعة غينيس.
وقال ستيفن لي، مدير مشروعي “كيوريوسيتي” و”برسيفيرانس” في مختبر الدفع النفاث (JPL): “المهمة الأصلية لم تتطلب أكثر من 20 كيلومتراً من القيادة”، مضيفاً: “تجاوزنا ذلك بكثير، وكل أنظمة الحركة تعمل بالكامل”، بحسب موقع Sci.News.
الأرقام الأساسية
- المسافة الجديدة: 45.22 كم، مقابل 45.16 كم لأوبورتيونيتي.
- الزمن: نحو خمس سنوات ونصف منذ الهبوط في 18 فبراير 2021، مقابل نحو 15 عاماً لأوبورتيونيتي (2004 إلى 2018).
- نسبة القيادة الذاتية: نحو 90% من الوقت، مقابل 23% لسبيريت ونحو 5% لأوبورتيونيتي وكيوريوسيتي، بحسب IEEE Spectrum.
- سرعة نظام AutoNav: حتى 120 متراً في الساعة.
- أطول قيادة منفردة: حتى 411.7 متر، بينما تتحرك كيوريوسيتي عادة 30 إلى 50 متراً في المرة.
- الكتلة: 1,026.4 كيلوجرام، أكبر مركبة كوكبية أُطلقت.
- المحركات: صُنفت لعشرين كيلومتراً، ويُتوقع الآن أن تعمل 100 كيلومتر على الأقل.
- زمن الإشارة: نحو 13 دقيقة في كل اتجاه.
- التمديد: وافقت ناسا على تمديد أول للمهمة حتى نهاية 2028 تقريباً.
شرح مبسط: كيف تقود المركبة نفسها؟
تخيل أنك تقود سيارة، لكن كل ما تراه وصل إليك قبل 13 دقيقة، وكل أمر ترسله يصل بعد 13 دقيقة أخرى. القيادة المباشرة مستحيلة. لذلك كانت المركبات القديمة تعمل غالباً بطريقة “خطط ثم نفذ”: يدرس الفريق على الأرض الصور، ويرسم مساراً قصيراً آمناً، ويرسله، وتنفذه المركبة ثم تتوقف وتنتظر. والنتيجة أمتار قليلة في اليوم.
نظام AutoNav يقلب هذه المعادلة. المركبة تلتقط صوراً مجسمة للأرض أمامها، وتبني منها خريطة ثلاثية الأبعاد، وتقيّم كل بقعة: هل هي صخرة عالية؟ منحدر خطر؟ رمل قد تغرز فيه العجلات؟ ثم تختار المسار الأفضل نحو الهدف الذي حدده الفريق، وتستمر في الحركة.
وتحدث IEEE Spectrum في هذا الشأن مع مارك ميموني، نائب رئيس فريق العمليات الروبوتية في JPL ومصمم برمجيات القيادة الذاتية لمركبات ناسا الأربع الأخيرة. ومن أبرز ما يميز برسيفيرانس معالج ثانٍ بمصفوفة بوابات قابلة للبرمجة (FPGA) يتولى معالجة الصور الإضافية، فيبقى المعالج الرئيسي متاحاً للقرارات، وتستطيع المركبة أن تحلل الطريق بسرعة أكبر دون توقفات طويلة. وأضافت ناسا في فبراير ميزة “التموضع العالمي على المريخ” التي تحدد موقع المركبة بدقة نحو 25 سنتيمتراً، بحسب غينيس.
أما الطريق القادم فليس أسهل. فبحسب Sci.News، تعبر المركبة منطقة غرب حافة فوهة جيزيرو قد تكون صخورها من أقدم ما فُحص في المجموعة الشمسية، ثم تتجه جنوباً على امتداد الحافة نحو “رينبو فولز”، وهي كتلة من القشرة القديمة بعرض 100 متر رفعها الاصطدام الذي شكّل الفوهة.
لماذا البرمجيات هي العامل الحاسم؟
يذكر IEEE Spectrum أن العجلات المقواة من أسباب تفوق برسيفيرانس، لكن ميموني يعتبر القيادة الذاتية العامل الأكبر. والمنطق واضح: أوبورتيونيتي كانت مركبة متينة جداً عاشت 14 عاماً، لكنها كانت تُقاد في معظم الوقت من الأرض. أما برسيفيرانس فتقطع مسافة أكبر في كل يوم عمل لأن “السائق” معها، لا على بعد 225 مليون كيلومتر.
رأي: الرقم القياسي ليس الهدف، الوقت العلمي هو الهدف
أرى أن أهم ما في هذا الخبر ليس الرقم نفسه، فالمركبة لم تُرسل لتسجل مسافات. الأهم أن كل ساعة توفرها القيادة الذاتية في التنقل تتحول إلى ساعة للعلم: حفر، وتصوير، وجمع عينات من صخور جيزيرو التي يقدر عمر بعضها بأربعة مليارات سنة. القيادة الذاتية هنا أداة إنتاجية قبل أن تكون إنجازاً تقنياً.
والدرس الأوسع، في رأيي، أن الاستقلالية تصبح ضرورة كلما بعدت المسافة أو ضعف الاتصال، وليس ترفاً. وهذا ينطبق على الأرض أيضاً: روبوتات تفتيش الأنابيب، والمركبات في المناجم، والطائرات المسيّرة في المناطق النائية. وكلما زاد زمن التأخير أو انقطع الاتصال، زادت قيمة نظام يتخذ القرارات الصغيرة بنفسه ويترك القرارات الكبيرة للبشر.
وأخيراً، تصنيف المحركات لعشرين كيلومتراً وتوقع أن تعمل مئة يكشف ثقافة هندسية تستحق التأمل: هوامش أمان كبيرة، واختبارات قاسية، وتصميم يتجاوز المتطلب بكثير لأن الإصلاح مستحيل. وهذا ما تحتاجه أي منظومة تُركب في مكان يصعب الوصول إليه.
دروس عملية للمهندس
- صمم للتأخير. إذا كان نظامك يعمل بعيداً عن المشغل، فاسأل: ما القرارات التي يجب أن يتخذها وحده؟
- وزّع الحوسبة. فصل معالجة الصور على معالج مخصص، مثل FPGA، يحرر المعالج الرئيسي. هذا مبدأ مفيد في الروبوتات والسيارات والأجهزة الصناعية.
- الرؤية المجسمة أساس الملاحة. تعلم كيف تُبنى الخرائط ثلاثية الأبعاد من صورتين، فهي مهارة أساسية في الروبوتات المتحركة.
- هوامش الأمان استثمار. حين يكون الإصلاح مستحيلاً أو مكلفاً جداً، التصميم الذي يتجاوز المتطلب هو الأرخص على المدى الطويل.

