المغرب العربيمشروعات

480 كيلومتراً بين الرمل والمحيط: المغرب وموريتانيا يتفقان على توسيع طريق نواكشوط نواذيبو، فما الذي يجعل طريق الصحراء صعب الصيانة؟

ما الذي حدث؟

في 21 سبتمبر 2026 وقّع وزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة ووزير التجهيز والنقل الموريتاني اعلي ولد الفيرك اتفاقية إطارية في الرباط تخص تهيئة وتحسين وصيانة وتأهيل الطريق بين نواكشوط ونواذيبو، المار بالنقطة الكيلومترية 55، بحسب Le Matin.

وتنص الاتفاقية بحسب Morocco World News وLe Matin على:

  • تأهيل الطريق وتوسيعه على طول 480 كيلومتراً.
  • إنشاء مكتب دراسات مشترك في موريتانيا للإشراف على التنفيذ.
  • تبادل الخبرات وتنسيق صيانة الطرق بين البلدين.

وقال بركة إن الخطوة الأولى هي التوسيع والصيانة، على أن تتبعها مراحل تطوير لاحقة، وشدد على ضرورة أن يبقى الطريق متيناً في مواجهة التغير المناخي. وقال الوزير الموريتاني إن الاتفاقية ستدعم تمويل الطريق، دون ذكر مبلغ أو جهة تمويل.

السياق: ممر أطلسي نحو الساحل

تضع وكالة إيكوفين الطريق ضمن المبادرة الأطلسية التي يقودها الملك محمد السادس، والهادفة إلى ربط المغرب وموريتانيا ودول الساحل الحبيسة مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو بالموانئ والأسواق الدولية. وذكر بركة أن ميناء الداخلة الأطلسي يُنتظر أن يكون جاهزاً بنهاية 2028.

وتشير إيكوفين أيضاً إلى أن الجزائر تطور بدورها مسارات تجارية عبر موريتانيا، منها طريق تندوف الزويرات ومنطقة حرة في تندوف. أي أن موريتانيا تتحول إلى عقدة يتنافس جيرانها على المرور عبرها.

وتربط إيكوفين المشروع كذلك بتوسع الموانئ المغربية، وخاصة منصة طنجة المتوسط وطاقتها الكبيرة في الشحن البحري وإعادة الشحن نحو أسواق أفريقية أخرى. والفكرة أن البضاعة القادمة بحراً إلى المغرب تحتاج طريقاً برياً موثوقاً يكمل رحلتها جنوباً، وأن الطريق بين نواكشوط ونواذيبو هو الحلقة التي تصل الشبكة المغربية بالعاصمة الموريتانية. وحين تكون الحلقة الأضعف في الممر طريقاً ضيقاً أو متآكلاً، يتحدد زمن الرحلة كله بها مهما كانت كفاءة الموانئ على طرفيه. ولهذا فإن قيمة المشروع لا تُقاس بطوله وحده، بل بموقعه في السلسلة.

ما نعرفه وما لا نعرفه

المعلن: الطول (480 كم)، والنطاق (تأهيل وتوسيع وصيانة)، والمكتب المشترك. غير المعلن: العرض الجديد أو عدد الحارات، والكلفة، والتمويل، والجدول الزمني، ومعايير التصميم.

حساب سريع

لو افترضنا، للتوضيح فقط، أن التوسيع يضيف حارة بعرض 3.5 متر في كل اتجاه مع أكتاف، فإن 480 كيلومتراً تعني أكثر من 3.3 مليون متر مربع من الرصف الجديد قبل احتساب الأكتاف والتقاطعات. هذا حجم عمل يقاس بملايين الأطنان من الحصى والإسفلت، في منطقة تبعد فيها المحاجر ومحطات الخلط مسافات طويلة أحياناً عن مواقع العمل.

الفكرة الهندسية: لماذا يتعب طريق الصحراء الساحلي بسرعة؟

الطريق بين نواكشوط ونواذيبو يمر في بيئة تجمع ثلاثة أعداء للرصف:

  1. زحف الرمال: الرياح تنقل الرمل وتكدسه على الطريق، فيضيق المسار ويصبح خطراً. والحلول معروفة لكنها تحتاج صيانة مستمرة: حواجز رملية، وتشجير، وتصميم ارتفاع الطريق وميول جانبيه بحيث تمر الرمال فوقه بدل أن تستقر عليه.
  2. الملوحة القريبة من الساحل: الأملاح في التربة والهواء تهاجم طبقات الأساس وتسرّع تفكك الإسفلت، خاصة إذا ارتفعت المياه الجوفية المالحة بالخاصية الشعرية إلى طبقات الطريق.
  3. الشاحنات الثقيلة: ممر تجاري بين بلدين يحمل محاور ثقيلة، والطريق المصمم لحركة خفيفة يتشقق ويتخدد سريعاً تحتها.

ولهذا فإن عبارة “متين في مواجهة التغير المناخي” تعني عملياً: طبقات أساس معزولة عن الملوحة، وتصميم للأحمال المحورية الحقيقية، وبرنامج دائم لإزالة الرمال، لا مجرد طبقة إسفلت جديدة.

رأي: المكتب المشترك أهم من الإسفلت

أرى أن أذكى ما في الاتفاقية هو مكتب الدراسات المشترك في موريتانيا. فالطريق العابر للحدود يفشل غالباً حين يُصمم كل جزء منه بمعايير مختلفة وتنتهي صيانته بعد افتتاحه. ووجود مكتب مشترك يعني إمكانية توحيد معايير التصميم ونقل الخبرة وبناء قدرات هندسية محلية.

لكن لدي ملاحظتين:

  1. الصيانة يجب أن تُموّل قبل البناء. طريق صحراوي ساحلي بلا ميزانية صيانة سنوية مضمونة يفقد قيمته خلال سنوات قليلة. والأفضل أن تُربط أي حزمة تمويل بعقود صيانة طويلة قائمة على الأداء.
  2. الطريق جزء من ممر. قيمة الطريق تتوقف على سرعة عبور الحدود وجاهزية الموانئ. وتوسيع الرصف مع بقاء المعابر بطيئة لا يغير زمن الرحلة كثيراً.

ويهم الخبر المهندس المغاربي مباشرة: فالمبادرة الأطلسية وميناء الداخلة والممرات نحو الساحل تعني سنوات من مشروعات الطرق والموانئ في بيئة صحراوية، وهي خبرة تتقاطع مع ما يعرفه مهندسو الخليج ومصر عن الطرق في الرمال.

دروس عملية للمهندس

  1. صمم ضد الرمل من البداية. ارتفاع الطريق وميوله وحواجزه أرخص من إزالة الرمال يومياً.
  2. افحص ملوحة التربة والمياه الجوفية. هي التي تحدد عمر طبقات الأساس.
  3. صمم للمحور الثقيل. الممر التجاري يحتاج حسابات أحمال حقيقية لا افتراضية.
  4. عقد الصيانة جزء من المشروع. لا تفتتح طريقاً صحراوياً بلا خطة صيانة ممولة.
  5. انظر إلى الممر كله. أضعف حلقة في السلسلة، طريقاً كانت أو معبراً، تحدد زمن الرحلة.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية