انهيار مالتبه في إسطنبول: 18,800 مبنى مصنفة عالية الخطورة، والفحص غير ملزم ويحتاج موافقة كل السكان
ماذا حدث؟
نحو الساعة 5:40 فجر الخميس 8 أكتوبر 2026 انهار الطابق الأرضي والطابقان اللذان فوقه في مبنى من سبعة طوابق بحي جيفيزلي في منطقة مالتبه على الجانب الآسيوي من إسطنبول، فيما مالت الطوابق الأربعة العليا إلى جانب واحد وبقيت معلقة فوق الركام. كان الطابق الأرضي يضم ورشة نسيج، وفوقه 12 شقة.
أُنقذ عشرة أشخاص أحياء، وأُعلن انتهاء البحث صباح الجمعة بعد العثور على آخر الضحايا، لترتفع الحصيلة إلى خمسة قتلى، بينهم طفلتان في الخامسة والعاشرة وصبي في الثانية عشرة. وأُخليت مبانٍ مجاورة احتياطياً، وبدأ هدم محكوم لما تبقى من المبنى.
وقال الوالي داود غول إن سجلات البلدية لا تتضمن شكاوى سابقة عن سلامة المبنى. لكن رئيسة بلدية مالتبه إسين كويمن قالت إن مراجعة أولية للأرشيف أظهرت أن “الطابقين العلويين بُنيا بشكل غير قانوني بعد صدور ترخيص الإشغال”. وقالت مديرة محل في الطابق الأرضي لوسائل إعلام تركية إنها لاحظت شقوقاً في المبنى منذ أبريل. واحتُجز معماري المبنى ومدير موقع البناء، وفتحت النيابة تحقيقاً يشمل البحث عن الموظفين الذين وقعوا على رخص المبنى.
الأرقام
- 1987 سنة البناء، أي قبل زلزال مرمرة 1999 الذي غيّر قواعد التصميم الزلزالي في تركيا.
- 7 طوابق، انهار منها 3، و2 منها مضافة بلا ترخيص بحسب البلدية.
- 33 ساكناً مسجلاً رسمياً في المبنى، منهم 14 في الشقق الأربع بالطوابق المنهارة.
- 170 ألف مبنى قُدمت طلبات لفحصها السريع في برنامج البلدية، فُحص منها نحو 40 ألفاً.
- 18,800 مبنى مشيد قبل 1999 صُنفت عالية أو عالية جداً في الخطورة.
- نحو 500 طلب يومياً حالياً، بعد أن تجاوزت الطلبات آلافاً يومياً عقب زلازل 2023.
شرح مبسط: لماذا تنهار الطوابق السفلى أولاً؟
في المبنى الخرساني، تحمل أعمدة الطابق الأرضي وزن كل ما فوقها. وحين يُضاف طابقان فوق مبنى صُمم لخمسة، يزيد الحمل على أعمدة الأسفل بنسبة كبيرة لم تكن في الحساب. وإذا كان الطابق الأرضي محلاً أو ورشة بفتحات واسعة وجدران قليلة، فإن أعمدته تكون أضعف نقطة في المبنى أصلاً، وهي الحالة التي يسميها المهندسون “الطابق اللين”.
وفي مبانٍ كثيرة مشيدة قبل 1999، كانت الخرسانة أضعف، وتفاصيل التسليح أقل، وكانت تعديلات الطابق الأرضي التجارية تزيل أحياناً جدراناً أو تقص أجزاء من عناصر. اجتماع هذه العوامل يعني أن هامش الأمان قد يتآكل حتى دون زلزال، وتظهر علاماته في شكل شقوق تتسع ببطء.
رأي: نعرف أين الخطر، ولا نملك سلطة إزالته
ما يدهشني في إسطنبول ليس أن مبنى قديماً انهار، فهذا يحدث في كل مدينة كبيرة. ما يدهشني أن المدينة تملك واحداً من أكثر برامج جرد المباني الخطرة تقدماً في منطقتنا، وفحصت عشرات الآلاف من المباني، وحددت 18,800 مبنى عالية الخطورة، ومع ذلك يبقى الفحص غير ملزم قانونياً، ولا يُطبق إلا بموافقة جميع السكان. وتقول “بيانت” إن إعادة تطوير المبنى نفسه ضمن برنامج التحول الحضري نوقشت سابقاً، لكن لم يُتوصل إلى اتفاق مع ملاك الشقق.
هذه في رأيي هي الثغرة الحقيقية. الجرد بلا سلطة إلزامية يعطينا معرفة لا نستطيع أن نفعل بها شيئاً. وشرط الإجماع يعني أن مالكاً واحداً متردداً، لأنه لا يملك مالاً للبديل أو لا يثق بالمطور، يستطيع أن يُبقي 33 شخصاً في مبنى خطر. ولا أحد في هذه المعادلة شرير بالضرورة: الساكن يخاف على بيته، والبلدية لا تملك صلاحية، والمطور يبحث عن ربح. لكن النتيجة أن الخطر المعروف يبقى في مكانه.
ونحن في المدن العربية لسنا أفضل حالاً، بل أسوأ. أغلب مدننا لا تملك جرداً منشوراً للمباني الخطرة أصلاً. وحين تصدر قرارات إخلاء أو ترميم لمبانٍ آيلة للسقوط، كثيراً ما تبقى بلا تنفيذ لسنوات، للأسباب نفسها: لا بديل للسكان، ولا تمويل للترميم، ولا جهة تتحمل القرار.
وأرى أن الحل يحتاج ثلاثة أشياء معاً. الأول أن يصبح الفحص ملزماً على الأقل للمباني التي تتوافر فيها مؤشرات خطر واضحة: عمر قبل تعديل الكود، وطوابق مضافة، واستخدام تجاري في الطابق الأرضي. والثاني أن تتحرك السلطة عند ثبوت الخطر دون انتظار إجماع، مع ضمان سكن بديل مؤقت وتمويل ميسر، لأن الإلزام بلا بديل يدفع الناس إلى المقاومة. والثالث قناة سهلة لبلاغات الشقوق، لأن مديرة المحل رأت شقوقاً منذ أبريل، والوالي يقول إن سجلات البلدية خالية من أي شكوى. ما بين هاتين الجملتين ستة أشهر كان يمكن أن تنقذ خمسة أرواح.
دروس عملية للمهندس
- الطابق المضاف قرار إنشائي. أي إضافة فوق مبنى قائم تحتاج إعادة حساب لأعمدة الأسفل وأساساته.
- راقب الطابق الأرضي التجاري. الفتحات الواسعة وإزالة الجدران تصنع طابقاً ليناً.
- الشق المتسع يحتاج بلاغاً. علّم السكان والمستأجرين أن الشق الجديد أو المتسع يستدعي فحصاً هندسياً.
- الجرد بداية لا نهاية. قائمة المباني الخطرة بلا خطة تنفيذ وتمويل وسلطة إلزامية لا تحمي أحداً.

