مفتاح تشفير يطير في الهواء 5.56 كيلومتر: الهند تجرب توزيع المفاتيح الكمي دون ألياف، فماذا تعني 250 بت في الثانية؟
ما الذي حدث؟
في ليلة 27 إلى 28 سبتمبر 2026، أجرت شركة QNu Labs الهندية الناشئة، مع معهد بهاسكاراشاريا الوطني لتطبيقات الفضاء والمعلوماتية الجغرافية (BISAG-N) والمعهد الهندي للتقنية في غاندي نغار (IIT Gandhinagar)، تجربة ميدانية لتوزيع مفاتيح تشفير كمية عبر قناة ضوئية في الهواء الطلق، دون أي كابل ألياف. وامتدت الوصلة 5.56 كيلومتر بين مقر المعهدين. ونشر مكتب الإعلام الحكومي الهندي (PIB) الخبر في 3 أكتوبر، ووصفها بأنها أول وصلة من نوعها في الهند على مقياس الكيلومترات الخمسة.
ولم تتوقف التجربة عند توليد المفاتيح. فقد سُلمت المفاتيح إلى منصة “Vedic Kavach” البرمجية التابعة لمعهد BISAG-N، وهي منصة تشفير “ما بعد الكم” تستخدم أيضاً مولداً كمياً للأرقام العشوائية، وجرى بها تشفير رسائل اختبار وإرسالها وفك تشفيرها من طرف إلى طرف.
الأرقام والمعطيات
- المسافة: 5.56 كيلومتر في الهواء الطلق.
- معدل المفاتيح الآمنة: من 230 إلى 260 بت في الثانية، أي نحو مفتاح جديد بطول 256 بت كل ثانية.
- معدل خطأ البتات الكمي (QBER): مستقر تحت 5%.
- الطول الموجي: 1550 نانومتر، بحسب موقعي The Quantum Insider وQuantum Computing Report.
- البروتوكول: DPS-Decoy، أي إزاحة الطور التفاضلية مع نبضات “طُعم”.
- التصويب: محاور ميكانيكية للتصويب الخشن بدقة 5 ميكرو راديان، ومرآة توجيه سريعة بدقة 0.1 ميكرو راديان وعرض نطاق تتبع 100 هرتز.
- الواجهة: تسليم المفاتيح بالمعيار الأوروبي ETSI GS QKD 014.
شرح مبسط: لماذا يكشف الفوتون من يتنصت عليه؟
في التشفير التقليدي، يتفق الطرفان على مفتاح سري بخوارزميات رياضية يصعب كسرها اليوم. والخوف أن الحاسوب الكمي المستقبلي قد يكسر بعضها. أما في توزيع المفاتيح الكمي فالفكرة مختلفة: يرسل الطرف الأول نبضات ضوئية ضعيفة جداً، قريبة من الفوتون الواحد، ويحمل كل منها بتاً في خاصية فيزيائية مثل الطور. وقوانين الكم تقول إن قياس هذه الحالة يغيرها، وإنه لا يمكن نسخ حالة كمية مجهولة نسخاً كاملاً.
والنتيجة العملية أن أي متنصت يحاول قراءة الفوتونات سيترك أثراً في صورة أخطاء إضافية. ولذلك يقيس الطرفان بعد كل جلسة “معدل خطأ البتات الكمي”. فإذا بقي منخفضاً، كما في التجربة الهندية تحت 5%، يستطيعان تنقية المفتاح وتكثيف سريته بالمعالجة الرياضية. وإذا ارتفع فوق عتبة معينة، يُرمى المفتاح كله. أما نبضات “الطُعم” فهي نبضات بشدات مختلفة تُخلط عشوائياً بالنبضات الحقيقية، لكشف هجوم معروف يستغل النبضات التي تحتوي أحياناً على أكثر من فوتون.
ولماذا الهواء بدل الألياف؟ لأن الألياف تمتص جزءاً من الضوء في كل كيلومتر، ولا يمكن تضخيم الفوتون المفرد في الطريق كما تُضخم الإشارات العادية، لأن التضخيم نفسه قياس. والهواء يسمح بالوصول إلى أماكن بلا ألياف، وهو الخطوة الأولى نحو الوصلات مع الأقمار الصناعية. لكن للهواء أعداء آخرين: الاضطراب الجوي الذي يهز الشعاع، والضباب، وضوء النهار الذي يغرق الفوتونات المفردة. ولهذا أُجريت التجربة ليلاً.
وهنا تظهر قيمة رقم التصويب. فعلى مسافة 5.56 كيلومتر، انحراف زاوي قدره 5 ميكرو راديان يعني إزاحة نحو 2.8 سنتيمتر عند المستقبل، بينما 0.1 ميكرو راديان تعني نحو 0.6 مليمتر فقط. أي أن النظام يجب أن يبقي الشعاع على هدف بحجم حبة أرز من مسافة تزيد على خمسة كيلومترات، ويصحح مساره مئة مرة في الثانية.
رأي: الإنجاز في التصويب والتكامل، لا في سرعة المفاتيح
قد يبدو معدل 250 بت في الثانية رقماً ضعيفاً، فهو أبطأ بملايين المرات من أي اتصال إنترنت منزلي. لكن هذا فهم خاطئ لوظيفة النظام. فالوصلة الكمية لا تنقل البيانات، بل تنقل المفاتيح فقط. ومفتاح جديد بطول 256 بت كل ثانية يكفي لتغيير مفتاح تشفير البيانات باستمرار في وصلة حكومية أو عسكرية أو مصرفية.
وأرى أن أهم ما في التجربة قراران هندسيان. الأول هو التصويب والتتبع، لأنه المكون نفسه الذي تحتاجه أي وصلة مستقبلية بين الأرض والقمر الصناعي. والثاني هو التصميم الهجين: المفاتيح الكمية مدمجة مع تشفير ما بعد الكم، بحيث يبقى التطبيق محمياً إذا انقطعت القناة الضوئية بسبب الطقس. وهذا اعتراف واقعي بأن الكم وحده لا يكفي اليوم.
لكن علينا أن نقرأ النتائج بحذر. فهي أرقام الشركات نفسها من ليلة واحدة، ولم تُنشر بعد في مراجعة علمية مستقلة، ولم تُعلن مدة التشغيل ولا أداء الوصلة في ظروف جوية مختلفة. والأسئلة الحقيقية تبدأ الآن: هل تعمل الوصلة نهاراً؟ وفي غبار الصيف؟ ولأشهر لا لساعات؟
وللمنطقة العربية درس واضح. فمدننا مشمسة ومغبرة، وهذا أصعب على الوصلات الضوئية الحرة من ليالي غوجارات. ومن يخطط لشبكات اتصال آمنة في الخليج أو مصر أو المغرب يحتاج بيانات ميدانية محلية عن الغبار والحرارة واضطراب الهواء فوق الأسطح، قبل شراء أي نظام جاهز.
دروس عملية للمهندس
- ميز بين نقل المفتاح ونقل البيانات. معدل المفاتيح يُقارن بحاجة تغيير المفاتيح، لا بسرعة الإنترنت.
- راقب معدل الخطأ. هو مؤشر الأمان الأساسي في أي نظام QKD، وليس المسافة وحدها.
- التصويب مسألة ميكانيكا وتحكم. حوّل الزاوية إلى إزاحة بضرب الميكرو راديان في المسافة بالكيلومتر، فتحصل على المليمترات.
- صمم هجيناً. اجمع بين QKD وتشفير ما بعد الكم حتى لا يتوقف الأمن مع توقف القناة.
- اطلب بيانات الطقس. أي عرض لوصلة ضوئية حرة يجب أن يتضمن الأداء نهاراً وفي الغبار.
المصادر
- PIB، وزارة الإلكترونيات وتقنية المعلومات الهندية، “India’s First 5.56 km Free-Space QKD Link Demonstrated” (3 أكتوبر 2026)
- The Quantum Insider، “QNu Labs, BISAG-N and IIT Gandhinagar Demonstrate 5 km-Scale Free-Space QKD Link” (5 أكتوبر 2026)
- Quantum Computing Report، “QNu Labs, BISAG-N and IIT Gandhinagar Demonstrate India’s First 5.56 km Free-Space QKD Link” (5 أكتوبر 2026)
- Sify، “The End of Hacking? India Successfully Tests ‘100% Uncrackable’ Quantum Laser Tech” (13 أكتوبر 2026)

