أوروباتقنيات هندسية

2.5 مليار جنيه إسترليني لمحرك نفاث لم يُطلب بعد: بريطانيا ورولز رويس تراهنان على عودة إلى سوق الطائرات ضيقة البدن

ماذا حدث؟

في خطاب الموازنة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أعلنت الحكومة البريطانية دعم برنامج محركات الطائرات لدى رولز رويس، بحسب ما نقلته وكالة رويترز. وفي اليوم نفسه نشرت الشركة بياناً يقول إن الحكومة ورولز رويس “أعلنتا خططاً” لبرنامج بحث وتقنية مشترك مدته عشر سنوات وقيمته 2.5 مليار جنيه إسترليني، لتطوير تقنيات توربينات غازية أكثر كفاءة وأقل انبعاثات للطيران المدني والدفاعي، بما في ذلك مشروع محرك تجريبي.

ووصف الرئيس التنفيذي توفان إرغينبيلجيتش الاتفاق بأنه “لحظة فارقة لصناعة الطيران في المملكة المتحدة”. لكن البيان نفسه يذكر أن المراحل الأولى من الخطة “خاضعة للتوصل إلى اتفاق نهائي”، ونقلت رويترز عن الحكومة أن التمويل يخضع لإجراءات قانونية وتقييم للقيمة مقابل المال والقدرة على التحمل والموافقات.

وكانت صحيفة فايننشال تايمز قد أفادت قبل الموازنة بأيام، بحسب موقع ADS Advance في 23 أكتوبر، بأن الحكومة تقترب من اتفاق دعم بين 100 و200 مليون جنيه لتطوير نماذج تجريبية من محرك UltraFan 30. أما الإطار الذي أُعلن يوم الأربعاء فأكبر بكثير وأطول أمداً.

الأرقام

  • 2.5 مليار جنيه على مدى عشر سنوات، برنامج مشترك بين الحكومة والشركة، وتقول رولز رويس إنها ستستثمر “أكثر بكثير” من الحكومة في برنامج الطائرات ضيقة البدن.
  • 3,300 وظيفة في الشركة وسلسلة توريدها بنهاية 2029 من المراحل الأولى.
  • 120 مليار جنيه إضافة محتملة للاقتصاد البريطاني على مدى عمر البرنامج، إذا فاز المحرك بمكان على الطائرات الجديدة، بحسب تقدير الشركة.
  • منتصف إلى أواخر ثلاثينيات القرن: الموعد المتوقع لدخول الجيل الجديد من الطائرات ضيقة البدن الخدمة، على أن يختار المصنعون شركاء المحركات خلال السنوات القليلة المقبلة.
  • 2028: موعد الاختبارات الأرضية المخطط لها لمحرك UltraFan 30 التجريبي، الذي تستهدف الشركة به خفض استهلاك الوقود 20% مقارنة بالمحركات العاملة حالياً.

شرح مبسط: محرك بصندوق تروس

المحرك التوربيني المروحي الحديث يدفع الطائرة أساساً بالهواء الذي تحركه المروحة الأمامية حول القلب، لا بالغازات الخارجة من القلب نفسه. والقاعدة الفيزيائية بسيطة: دفع كتلة كبيرة من الهواء بسرعة منخفضة أكفأ من دفع كتلة صغيرة بسرعة عالية. لذلك تكبر المراوح جيلاً بعد جيل.

لكن هناك تعارضاً: التوربين في مؤخرة المحرك يعمل بكفاءة عند سرعات دوران عالية، والمروحة الكبيرة يجب أن تدور ببطء حتى لا تتجاوز أطراف ريشها سرعة الصوت. في المحرك التقليدي يربطهما عمود واحد، فلا بد من حل وسط. والحل في برنامج UltraFan هو صندوق تروس كوكبي بينهما، يسمح للتوربين بالدوران سريعاً وللمروحة بالدوران بطيئاً.

وتذكر رولز رويس على صفحتها أن صندوق التروس في المحرك التجريبي الكبير UltraFan 80 يعمل بقدرة 50 ميجاوات، وبلغ في الاختبار 64 ميجاوات، وأن قطر مروحته 140 بوصة، بريش من ألياف الكربون بحافة أمامية من التيتانيوم. وقد وصل هذا المحرك إلى قدرته الكاملة في نوفمبر 2023 في مدينة ديربي، بقوة دفع 85,000 رطل، مع 2,800 نقطة قياس. ويضم القلب بنية تسميها الشركة Advance3 بنسبة ضغط إجمالية تصل إلى 70:1، ونظام احتراق فقير لخفض أكاسيد النيتروجين.

والمهم أن UltraFan 30 هو النسخة المصغرة من هذه التقنيات لفئة الطائرات ضيقة البدن، وهو ما يجعل التمويل الجديد مرتبطاً بنقل ما ثبت في المحرك الكبير إلى محرك أصغر وأكثر إنتاجاً.

رأي: المال يشتري تذكرة المنافسة لا المقعد

أبدأ بما يُحسب للقرار: سوق الطائرات ضيقة البدن هو الأكبر في الطيران التجاري من حيث عدد المحركات، والاستراتيجية الصناعية البريطانية نفسها تصفه بأنه أكبر فرصة نمو في الطيران خلال خمسين عاماً. وغياب رولز رويس عن الجيل الحالي من هذه الطائرات يعني أن بريطانيا تصنع محركات الطائرات العريضة ولا تشارك في الفئة الأكثر عدداً.

لكن ثلاث حقائق يجب ألا تضيع في احتفال الموازنة:

  1. القرار ليس في لندن. شركات تصنيع الطائرات هي التي ستختار المحرك، وبيان رولز رويس نفسه يقول إن البرنامج “لا يضمن” مكاناً على الطائرات القادمة، وإن العودة ستكون “في شراكة” إن اختيرت تقنياتها.
  2. الأرقام الكبيرة مشروطة. 120 مليار جنيه وعشرات الآلاف من الوظائف تتحقق فقط إذا فاز المحرك بطلبيات. الرقم المضمون نسبياً هو 3,300 وظيفة في المرحلة الأولى، وحتى هذا مرهون باتفاق نهائي.
  3. التحدي هندسي قبل أن يكون مالياً. صندوق تروس يمر عبره عشرات الميجاوات يجب أن يعمل آلاف الساعات بين الصيانات على طائرة تقوم بعدة رحلات قصيرة يومياً، وهذه بيئة أقسى على المتانة من رحلات الطائرات العريضة الطويلة. والصناعة كلها تعلمت في السنوات الأخيرة أن المحرك الجديد قد يحقق وعد الوقود ويخسر في المتانة.

ورأيي أن الخطوة صحيحة، لكن قيمتها ستُقاس بعد سنوات بسؤال واحد: هل أثبت المحرك التجريبي في 2028 وما بعدها متانة تقنع المصنعين، لا كفاءة على منصة الاختبار فقط.

لماذا يهم المهندس العربي؟

أساطيل شركات الطيران العربية، والاقتصادية منها خاصة، تعتمد بكثافة على الطائرات ضيقة البدن، ومراكز الصيانة في المنطقة تبني خبرتها حول محركات هذه الفئة. ودخول منافس ثالث إلى هذه السوق في الثلاثينيات يعني تقنيات صيانة جديدة، مثل فحص صناديق التروس وريش الألياف المركبة، وفرصاً لسلاسل التوريد في المنطقة التي تصنع أجزاء الطائرات.

دروس عملية للمهندس

  1. اقرأ كلمة “خطط” بعناية. “إعلان خطط” و”اتفاق إطاري” ليسا عقداً نهائياً. ابحث دائماً عن الشروط المذكورة في البيان نفسه.
  2. فرّق بين المضمون والمحتمل. في أي مشروع، ضع الأرقام المشروطة في عمود منفصل عن الأرقام الملتزم بها.
  3. الكفاءة والمتانة وجهان للتصميم. عند تقييم أي تقنية جديدة، اسأل عن ساعات التشغيل بين الصيانات، لا عن نسبة التوفير وحدها.
  4. المحرك التجريبي يختبر النظام لا الفكرة. قيمة 2,800 نقطة قياس في اختبار ديربي أنها تكشف تفاعلات لا تظهر في اختبار كل مكون منفرداً.
  5. تابع مهارات المواد المركبة والتروس عالية القدرة. هذه مجالات ستطلبها صناعة الطيران والصيانة في العقد المقبل.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية
🔔فعّل إشعارات المقالات الجديدةتفعيل✕